كتب جورج الحايك في “المدن”:
من المؤكّد أنَّ ما حصل أمس، من بداية مفاوضات لبنانية-إسرائيلية في واشنطن، يحظى باهتمام أميركي كبير، تمثّل برعاية وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو لها، ومواكبة إعلامية أميركية ودولية استثنائية، وهذا ما يشير إلى جدّية كبيرة، بحيث لن تكون هناك، بعد 14 نيسان الجاري، عودة إلى الوراء على صعيد هذه المفاوضات الواعدة.
وتشير المعطيات الواردة من واشنطن إلى أنَّ الرئيس دونالد ترامب يولي هذه المفاوضات أهمية خاصة، ويتطلع إليها كإنجاز في الحرب التي يقودها ضد إيران، وخصوصاً أنّ المسار التفاوضي الإيراني – الأميركي متعثّر قليلاً، وترامب يبحث عن إنجاز سريع وسط تعقيدات الحرب الدائرة في الشرق الأوسط.
في الشكل، كانت الجلسة التفاوضية الأولى موفّقة، وفق الباحثين الأميركيين، وهي تأتي بعد محاولات سابقة تمّ إفشالها، بدءاً من 17 أيار 1983، ومشاورات عسكرية بين الدولتين في الناقورة في عام 1985، مروراً بمفاوضات مباشرة بين الجانبين عُقدت خلال العامين 1991-1993 برعاية أميركية، لكنها لم تفضِ إلى نتائج، ومفاوضات غير مباشرة في العام 2022 بوساطة أميركية أدّت إلى توقيع اتفاق لترسيم الحدود البحرية بينهما، وصولاً إلى مفاوضات جرت في العام 2024 بعد حرب إسناد غزة، أفضت إلى اتفاق وقف أعمال عدائية رعته الولايات المتحدة وفرنسا والسعودية وقطر ومصر.
وتؤكّد المعلومات الواردة من واشنطن أنّ السفير الأميركي ميشال عيسى حاول كثيراً دعم المطلب اللبناني الذي ركّزت عليه السفيرة ندى معوض، وهو وقف إطلاق نار شامل بين لبنان وإسرائيل، كبادرة حسن نية من إسرائيل وتشجيعاً للسلطات اللبنانية التي أقدمت على قرار سيادي جريء ببدء المفاوضات بعيداً عن تأثيرات إيران و”حزب الله” حليفها في لبنان. إلا أنّ السفير الإسرائيلي في واشنطن يحيئيل ليتر رفض ذلك بشدّة، رغم تفهّمه للمطلب اللبناني، لأن ذلك كان من شأنه، وفق المعطيات الأميركية، أن يعزّز وضعية الحكومة اللبنانية أمام “الحزب”، ويفصل المسار التفاوضي نهائياً عن إيران. ومع ذلك، قدّم ليتر وعداً باستمرار امتناع إسرائيل عن قصف بيروت، وحصر نشاطها العسكري في الجنوب، حيث تدور معارك ضارية بينها وبين “الحزب”.
لكن معطيات من وزارة الخارجية الأميركية رجّحت ألّا تكون الضمانات الإسرائيلية نهائية في ما يتعلق باستهداف مناطق خارج دائرة المعارك في الجنوب اللبناني، لأن نشاطات “الحزب” لن تتوقف هناك، وقد تضطر إسرائيل إلى القيام باغتيالات أو استهداف أنشطة عسكرية لـِ “الحزب” في شمال الليطاني. والأمر الوحيد الذي سيخفّف من كمية ونوعية هذه الاستهدافات هو قيام الجيش اللبناني بدوره جدياً وبطريقة ملموسة في حظر الأنشطة العسكرية ونزع سلاح “الحزب” في بيروت الإدارية.
إذاً، يركّز الأميركيون في رعايتهم لهذه المفاوضات على بناء عامل الثقة بين لبنان وإسرائيل. والأهم من ذلك، وفق باحث أميركي مُتخصّص في شؤون الشرق الأوسط في معهد واشنطن، أنَّ المفاوضات لن تتوقف قبل الوصول إلى نتائج فعلية. وحتماً يعرف كلا الطرفين في المفاوضات وراعيتها الأميركية أنّ العثرة الأساسية أمام تقدّم هذه المفاوضات بسرعة هي سلاح “الحزب”. لذلك، هناك “قبّة باط” أميركية لإسرائيل كي تُجري المفاوضات مع لبنان تحت النار، وخصوصاً في جنوب الليطاني، حيث تتقدّم إسرائيل في الحزام الأمني الذي تنشئه، وتحديداً بعدما أوشكت على الانتهاء من معركة كبيرة في بنت جبيل، عرين “الحزب” الأساسي في الجنوب. وما علمته “المدن” في هذا الإطار، وفق مصادر في وزارة الخارجية الأميركية، أنّ إسرائيل، بعد نزع سلاح “الحزب”، لا تريد الاحتفاظ بالجنوب، لكن انسحابها منه يتطلب ترتيبات وضمانات أمنية كبيرة تنظّم العلاقة حدودياً بين لبنان وإسرائيل.
ويلفت الباحث الأميركي المطلّع إلى أنّ اتفاق وقف إطلاق النار الذي وُقّع عام 2024 قد انتهى مفعوله بعدما أجمعت كل أطراف النزاع على وجود خلل فيه، مستغرباً كيف أنّ الجيش اللبناني أعلن أنّه حقق “سيطرة عملياتية” جنوب نهر الليطاني، ومع ذلك، بقيت مساحات شاسعة من الأراضي في هذه المنطقة الحدودية الحيوية دون تفتيش بسبب سياسة الجيش اللبناني التي لا تتعدّى عموماً على “الملكية الخاصة”، ما وفّر فعلياً ملاذات آمنة لـ”الحزب” في جنوب الليطاني.
ويتحدث الباحث عن نقطة مهمة جداً، وهي المساعي الأميركية الكبيرة، قبل جلسة المفاوضات الثانية، للتوصّل إلى اتفاق وقف إطلاق نار مؤقت تسعى إليه الإدارة الأميركية، وهو سيأتي كحل وسط بين إدارة الرئيس عون التي تطمح إلى إنجاز سريع يؤكد صوابية خياره بالتفاوض مع إسرائيل من جهة، ويُظهر نتنياهو أمام الشعب الإسرائيلي أنّه يمتلك رؤية للسلام، لا مجرد حرب دائمة، من جهة أخرى. ولعل أنجع سبيل لخدمة خيار المفاوضات هو الاتفاق على بند أكثر تحديداً من وقف إطلاق النار الكامل، ربما بيان حول “ضبط النفس” أو “التوقف المؤقت” أو “حصر العمليات العسكرية الإسرائيلية في مناطق المواجهة المباشرة مع الحزب”.
لكن هذا الرهان يرتبط بتقدّم المفاوضات بين الدولتين إلى الأمام، عبر تنفيذ الجيش اللبناني ما هو مطلوب منه، وفق الباحث الأميركي، ما سيعزّز احتمالات التوصّل إلى اتفاق وقف إطلاق نار جديد لمدة أسبوع، وربما أكثر.
من جهة أخرى، تكشف المعطيات الواردة من واشنطن، والقريبة من أجواء المفاوضات، أنّ لدى الإدارة الأميركية أفكاراً تطرحها لتوسيع نطاق مشاركة “الآلية” في أي وقف إطلاق نار جديد، بحيث قد يشمل ذلك تعيين ضباط عسكريين أميركيين كضباط اتصال لوحدات الجيش اللبناني العاملة على مستوى المناطق والقطاعات، لتسهيل تدفّق المعلومات الاستخباراتية بين إسرائيل والجيش اللبناني في الوقت الفعلي. كما يمكن لضباط “الآلية” مراقبة فعالية الجيش اللبناني باستخدام مؤشرات حاسمة، مثل عدد ونوعية الأسلحة التي تم تفكيكها، وعدد مقاتلي “الحزب” الذين تم اعتقالهم.
أما الرؤية الأميركية الأبعد مدى لهذه المفاوضات، وفق المعطيات من واشنطن، فهي اتفاق سياسي بين الدولتين يؤدي إلى سلام حقيقي، لكن ذلك لن يبصر النور ما لم يلتزم الطرفان بخريطة طريق تؤدي إلى نزع سلاح “الحزب”.
وتؤكد المعطيات أنّ الاستراتيجية الأميركية متعددة الأبعاد لإدارة المفاوضات مع لبنان وإسرائيل، وتشمل الجهود المدنية والمالية والسياسية، إلى جانب استمرار العمليات العسكرية.
واللافت أنّ هناك أموراً مطلوبة من لبنان، وأخرى مطلوبة من إسرائيل. فعلى الصعيدين المدني والدبلوماسي، ستكون الحكومة اللبنانية ملزمة بحظر جميع الأنظمة المدنية والاقتصادية لـِ “حزب الله”، مثل شبكات التعليم والرعاية الصحية والأنشطة المالية، والعمل ضدها، وقطع العلاقات الدبلوماسية مع إيران، وإغلاق السفارة الإيرانية في بيروت، التي تُعدّ مقراً رئيسياً للحرس الثوري، وإقالة وزراء “حزب الله” من الحكومة، ومنع تعيين أي ممثلين له مستقبلاً، بمن فيهم شخصيات بارزة مرتبطة به في مناصب صنع القرار الرئيسية.
أما على الصعيد الأمني، فتتعهّد الحكومة اللبنانية بإجراء تطهير شامل داخل الجيش اللبناني وجميع الأجهزة الأمنية، بما في ذلك استبدال جميع الأفراد المتعاونين مع “الحزب”، وإنشاء جهاز أمني يعمل تحت إشراف الرئاسة مباشرة لتعزيز الوجود الأمني في الضاحية، ومنع “الحزب” من إعادة بناء بنيته التحتية العسكرية، ووقف تهريب الأسلحة من سوريا إلى لبنان عبر آلية تنسيق بين الحكومة اللبنانية والنظام في سوريا، وبناء جدار على طول الحدود، ومنع دخول أي طرف متعاون مع “حزب الله” إلى المعابر الحدودية واعتقاله تحت إشراف دولي.
ويجب أن يستند الاتفاق مع لبنان إلى آليات واضحة للمساعدة والإشراف الدوليين، وبالتالي حظر “الحزب” بالكامل في جميع الدول الضامنة للاتفاق، والمساعدة في إنشاء بدائل مدنية تحل محل الخدمات التي يقدمها “الحزب”. ولن تُقدّم المساعدة للجيش اللبناني من قبل الدول التي لا تربطها علاقات دبلوماسية كاملة مع إسرائيل، وستكون هذه المساعدة، في جميع الأحوال، تحت إشراف الولايات المتحدة. ويُعدّ رفع رواتب الجيش اللبناني من أهم أولويات المساعدة الدولية في هذا الصدد.
وكما هو الحال في الاتفاق السابق، ستمنح واشنطن لإسرائيل حق التحرّك (بموجب اتفاقية جانبية) ضد أي تهديد أو انتهاك أو نشاط عسكري من جانب “الحزب” يهدد أمنها، في أي مكان في لبنان وفي أي وقت.
في المقابل، ستُلزم الولايات المتحدة تل أبيب بأن تعلن أنّ احتلال الأراضي اللبنانية ليس هدفاً في حد ذاته، وأن وجود جيشها في لبنان مؤقت، وهو أداة لتحقيق الأمن. وتتعهّد إسرائيل، على المدى القريب، بتقديم عدد من مبادرات حسن النية، بعضها يُنفّذ فوراً، والبعض الآخر مشروط باتخاذ الحكومة اللبنانية إجراءات.
ويرى الباحث الأميركي أنّ اتفاقية السلام التي تسعى إليها الولايات المتحدة تأخذ في الاعتبار توفير الغاز الطبيعي للبلدين، والإدارة المشتركة لمياه نهر الحاصباني، والتنسيق بشأن معالجة مياه الصرف الصحي، وتصاريح الحج المنظم إلى المواقع المقدسة (المسيحية والدرزية) في كلا البلدين، وفتح معبر رأس الناقورة أمام حركة السياح الأجانب.
إضافة إلى ذلك، فإن أيَّة عودة للسكان اللبنانيين إلى قراهم في جنوب لبنان يجب أن تكون مشروطة بإجراءات ملموسة من جانب الحكومة اللبنانية، بما يتماشى مع المبادئ المذكورة أعلاه.