كتب ريشار حرفوش في “نداء الوطن”:
تطورات متسارعة يمر بها لبنان بدأت بلقاء تمهيدي في واشنطن وبلغت محطة الإتصال الأميركي ـ اللبناني على مستوى الرؤساء استعداداً للمزيد من الخطوات في المقبل من الأيام.
وفي قراءة المحطة الأولى، بعد ساعات قليلة من اللقاء التمهيدي المباشر بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية، برز بوضوح الموقف الإسرائيلي الرسمي، الذي تحدث عن تقاطع في الرؤية مع الجانب اللبناني حول إنهاء الواقع القائم، بما يشمل ملف سلاح “حزب اللّه”، في طرح يعكس انتقال النقاش إلى مستويات سياسية أكثر حساسية وتعقيدًا.
اللافت في هذه الجولة يتمثل في مضمون البيان الثلاثي الأميركي – اللبناني – الإسرائيلي، الذي لم يكتفِ بالإطار الأمني، بل فتح باب الحديث عن إعادة الإعمار مستقبلًا، في إشارة واضحة إلى ربط أي مسار اقتصادي أو إنمائي بمعالجة الملفات السيادية العالقة. هذا الترابط يعيد إلى الأذهان محطات سابقة، أبرزها مفاوضات عام 1982 التي جاءت في ظلّ الاجتياح الإسرائيلي لبيروت، حيث طُرحت حينها ترتيبات أمنية وسياسية تحت ضغط عسكري مباشر، وكذلك محطات عام 2007 التي شهدت محاولات لإعادة ضبط التوازنات الداخلية اللبنانية وسط صراعات إقليمية محتدمة.
في هذا السياق، أكد الأمين العام السابق في وزارة الخارجية والمغتربين السفير وليام حبيب أن لبنان دفع ثمنًا باهظًا في الحرب التي فرضت عليه، مشدّدًا على أن خيار السلم هو السبيل الوحيد لإعادة بناء الدولة وتقويتها.
ولفت إلى أن المفاوضات لا تزال في مرحلتها الأولى، وتتطلّب وقتًا للاتفاق على جدول أعمال واضح، مؤكدًا أن لبنان هو الطرف الأكثر استعجالًا للمضيّ بها.
وعن الدور الأميركي، أشار إلى أن جمع مندوبَين عن لبنان وإسرائيل وجهًا لوجه يشكّل إنجازًا دبلوماسيًا مهمًا، معتبرًا أن هذه الخطوة تحمل رسالة أميركية بدعم لبنان والسعي لمساعدته على فتح باب الحلّ.
بدوره، أكد السفير اللبناني السابق في واشنطن أنطوان شديد أن اللقاء الأخير يحمل دلالات سياسية واضحة، مشيرًا إلى أن الجانب الأميركي يتحدث بصراحة، ولا سيّما على مستوى مقاربة دور “حزب اللّه”، لافتًا إلى أن واشنطن تشدّد على عدم إمكان إجراء أي مباحثات بمعزل عنها.
وعن موقف الفريق اللبناني في اللقاء، أكد أن التعليمات كانت واضحة وصادرة عن رئيس الجمهورية والحكومة، وتقضي بالإصرار على وقف إطلاق النار كأولوية، بالتوازي مع العمل على عودة النازحين وتأمين المساعدات الإنسانية لهم، مشيرًا إلى أن هذا الموقف شكّل نقطة ارتكاز أساسية في المباحثات.
واعتبر شديد أن الأجواء العامة بقيت مفتوحة على مفاوضات لاحقة، وهو ما انعكس في البيان المشترك الذي أشار إلى استمرار المسار التفاوضي وعدم إقفاله عند هذه الجولة.
واستطرد شديد في المقارنة بين لقاء الأمس ومحطات سابقة، مشيرًا إلى أن مفاوضات عام 1982 كانت مختلفة من حيث الظروف، إذ كانت شديدة التعقيد كان صعبًا الوصول إلى نتائج فيها، في ظلّ الوجود السوري في لبنان آنذاك وسيطرته على مفاصل القرار اللبناني.
أضاف أن محطة عام 2007، ولا سيّما لقاء نابولي، جاءت بعد خروج الجيش السوري من لبنان، إلّا أن النفوذ بقي حاضرًا بشكل غير مباشر، ما جعل هامش الحركة محدودًا أيضًا.
واعتبر أن ما يجعل المرحلة الحالية مختلفة يكمن بالدور الإيراني المباشر عبر “حزب اللّه”، لافتًا إلى أن هذا العامل يشكّل الفارق الأساسي مقارنة بالمراحل السابقة، إلّا أن اللافت في لقاء واشنطن، بحسب تعبيره، هو وضوح التوجّه نحو سحب هذا الملف من يد إيران، ووضعه ضمن إطار تفاوضيّ دولي تقوده الولايات المتحدة.
بالتوازي، تحدثت مصادر متابعة عن أن الجانب الإسرائيلي لا يزال متحفظًا حيال أي وقف لإطلاق النار في هذه المرحلة، ما يعزز الانطباع بأن المفاوضات القائمة تشكّل جزءًا من إدارة الصراع أكثر ممّا هي مدخل فوريّ للحلّ، هذا الواقع يضع لبنان أمام معادلة دقيقة، بين متطلّبات الاستقرار الداخلي وضغوط الخارج.
في المحصّلة، يبدو أن لبنان يدخل مرحلة مفصلية جديدة، تتقاطع فيها الحسابات السياسية مع الاستحقاقات الأمنية والاقتصادية، وبين ذاكرة 1982 وتعقيدات 2007، تتجه الأنظار إلى ما ستسفر عنه الجلسات المقبلة، في ظلّ ترقب حذر لما قد تحمله من مؤشرات على مسار المرحلة المقبلة، وما إذا كانت ستفتح فعلًا أفقًا لتسوية مستدامة، أم ستبقى في إطار إدارة الأزمة بانتظار تحوّلات كبرى في المشهد الإقليمي.