كتب أنطوان مراد في “نداء الوطن”:
الحملات المستعرة على خيار التفاوض المباشر مع إسرائيل برعاية أميركية، إن دلّت على شيء، فعلى جدية العملية التفاوضية والرغبة الأميركية الواضحة بتحقيق تقدم نوعي، كي ينضم لبنان إلى ركب السلام، والذي يبدأ بتعويم الهدنة وقد لا يصل إلى التطبيع الكامل، وهو غير التطبيع الرسمي.
وفي رأي أوساط دبلوماسية غربية، فإن الموقف اللبناني الرسمي سليم وواقعي جدًّا، لا سيما أن الدولة اللبنانية لا تشعر بأنها تفاوض تحت النار، على غرار ما يدّعي “حزب الله”، والذي لا يمكنه أن يقيّم موقف السلطة اللبنانية انطلاقًا من معاييره الخاصة، فالدولة هي التي ينبغي أن تخرج منتصرة من المفاوضات، ولو بدا أن “الحزب” هو الخاسر الأكبر مع إيران. فهي غير معنية بالحرب التي تورط فيها “حزب الله” إسنادًا لإيران، ولا يمكنها أن تفاوض انطلاقًا من موقع المهزوم أو المحرج أو الخاضع لضغط المواجهة العسكرية وتداعياتها.
ينطلق المفاوض اللبناني الرسمي من مبادئ ومسلمات وطنية وليس من اعتبارات سياسية وحسابات عسكرية، ولذلك، يمكنه أن يصرّ على نقاط معينة ويرفض شروطًا معينة، لا سيما وأن الحكومة اللبنانية التزمت حصر السلاح بيدها، وبالتالي، فإن هذا الالتزام يمثل عامل قوة وليس عامل ضعف كما يعتبر “حزب الله”.
على أن العقبات التي يثيرها “الحزب” في وجه الرئيس جوزاف عون، كونه المعني الأول بالتفاوض انطلاقًا من صلاحياته بالتنسيق مع الحكومة ورئيسها، معطوفة على التحفظات التي يبديها رئيس المجلس نبيه بري، تجعل خيار عودة التصعيد واردًا جدًا، علمًا أن الرئيس ترامب لم يعترض مرة على استمرار العمليات التي تستهدف “حزب الله” حصرًا والتي تعتبرها إسرائيل دفاعية ووقائية، بل جل ما أبلغه لها هو تحفظه في المرحلة الراهنة على الغارات والعمليات العسكرية الكبيرة بعيدًا من خط الليطاني إلا في حالات استثنائية، حرصًا على منح المفاوضات فرصة للإقلاع من دون كثير إرباكات. ومن هنا الكلام على سباق بين التفاوض والتصعيد، باعتبار أن الأفق مفتوح أمام الخيارين معًا.
وتخلص الأوساط إلى القول، إن المعلومات المتوافرة وفق تقارير دبلوماسية جدية، تفيد بأن “حزب الله” يشعر بأن الحصار يشتد حوله، وقد بدأ ذلك ينعكس على جانب من إمكاناته ليس العسكرية فحسب، بل المالية والتجارية والاجتماعية كما المعنوية أيضًا. وتلفت إلى أن الضغوط والملاحقات للشبكات التي تغذي “الحزب” ماليًا تقدمت كثيرًا وتم إقفال الكثير من الخطوط في أميركا الجنوبية وأوروبا، فضلا عن النجاح في حصر مصادر التمويل من أفريقيا ولو بنسبة غير كافية. مع الأشارة إلى أن السلطات السورية حققت خطوات مهمة من خلال اكتشاف نفقين ضخمين عبر الحدود ووضعت اليد على مخازن للسلاح والذخيرة ومنعت عمليات تهريب عدة إلى لبنان.
على خط آخر، تكشف معلومات أن التقنين المالي بدأ يشمل الفئة الأقرب والمتمثلة بالحزبيين وعائلات المقاتلين، بعد ارتفاع بعض الأصوات التي تنتقد التقنين القاسي نسبيًّا على البيئة الحاضنة حتى على صعيد الخدمات الاجتماعية. وكلما اشتد ساعد الدولة ونجحت في الخطوات الإصلاحية تدريجًا، تراجعت قدرة “حزب الله” على التصرف من دون رادع ووازع على صعيد التهريب والتهرب الجمركي والضريبي ورعاية المخالفات على أنواعها.
وبحسب المعلومات، فإن “الحزب” يستشعر حرجًا معينًا لدى الرئيس بري الذي يمشي بين النقاط المتفجرة ولا يريد أن “يكسرها” مع الرئيس عون، لكنه في الوقت عينه لا يمكنه التخلي عن دوره وقدرته على وضع نوع من الفيتو على بعض القرارات والتوجهات التفصيلية من دون الاعتراض الكلي والجذري. ولا يجد غضاضة في نفي بعض الوقائع التي تحدث عنها رئيس الجمهورية حيال التنسيق بين الرؤساء الثلاثة ومعرفة رئيس المجلس نبيه برّي بمعطيات محددة، طالما أن ذلك يرضي “الحزب” ويتفهمه الرئيس عون بنسبة معينة.
وتشير المعلومات نقلا عن نائب قريب من رئيس المجلس في مجلس خاص، إلى أن بري يريد أن ينهي حياته السياسية كرجل دولة من دون أن يكون في موقع الخصام النافر مع شريكه في “الثنائي”، وهو يدرك جيدًا أن خروجه من الثنائي سيلغي عمليًّا دوره وحضوره، ولذلك يواصل مهمته الصعبة في التوازن بين الجانبين.
على أن الملفت أن “الحزب” وعبر بعض القنوات والاتصالات يسعى إلى التركيز سياسيًّا على خطيّن:
الأول، إطلاق دعوات بالواسطة وعبر أطراف ثالثة إلى الحوار على مستويات عدة، إن بين القيادات الروحية أو على المستوى السياسي لدى الطوائف الكبرى، أو في ما خص الاستراتيجية الدفاعية والأمنية. ويبدو أن أكثر من مرجع رسمي وقيادي سيادي تنبهوا إلى هذه المسألة وأبلغوا من يعنيهم الأمر بأن لا فائدة من حوارات لتعويم “الحزب” أو لتعميم جو من المماطلة وتأخير المسيرة المرتكزة على عنوان استعادة الدولة سيادتها على الأرض والقرار.
أما الخط الثاني الذي يراهن عليه “الحزب”، فهو محاولة تمرير مطالب معينة تحت غطاء كونها مطالب تطمينية ولا سيما لجهة منح الطائفة الشيعية مزيدًا من المواقع والمناصب المهمة في صلب الدولة والقرار، ولو اقتضى الأمر استحداث بعضها، كنوع من التعويض عن إمكان التخلي عن السلاح، لكن الرد كان بأن الطائف هو السقف الذي لا يمكن تخطيه، فضلا عن أن المملكة العربية السعودية وخلافًا لبعض التسريبات، لم تتطرق أبدًا إلى هذا الخيار، بل إنها تشدد على مبدأ المناصفة حتى إلغاء الطائفية السياسية وغير السياسية، وفق مسار دستوري معروف ولا تقيده أي مهل.
أما أي محاولة للنزول عند الرغبات المواربة لـ “الحزب”، فإنها سترتب تداعيات خطرة وستدفع القوى السيادية مسيحية وغير مسيحية إلى البحث عن خيارات تعتبرها ضرورية لمواجهة عملية استبدال الهيمنة بالسلاح بالهيمنة على السياسة.
