منذ اعتماد الحكومة وزارة الشؤون الاجتماعية مرجعية أساسية وشبه وحيدة لإدارة ملف نزوح أهالي الجنوب، ولا سيما في ما يتصل بتنسيق المساعدات وتوزيعها عبر القنوات الرسمية، تتصاعد الشكاوى من بلديات وجهات محلية وعائلات نازحة، وسط تساؤلات متزايدة حول فعالية هذا النموذج الإداري وقدرته على مواكبة حجم الأزمة.
وتكتسب هذه التساؤلات بعدًا إضافيًا عند مقارنتها بتجربة عام 2024، حين شهدت محافظتا عكار ولبنان الشمالي، إلى جانب مناطق أخرى، أعدادًا أكبر من النازحين مقارنة بالأرقام المسجّلة اليوم، ولم تُسجَّل حينها شكاوى بالحجم نفسه الذي يُسجَّل اليوم بشأن ضعف التنسيق وآليات الاستجابة، رغم أن حجم الضغط على مراكز الإيواء والخدمات كان أكبر.
ويعزو متابعون هذا الفارق إلى طبيعة آلية إدارة الملف في تلك المرحلة، حيث كان التنسيق يتم بصورة مباشرة مع لجان إدارة الكوارث في المحافظات والأقضية، ما أتاح هامشًا أوسع من المرونة وسرعة التحرّك، بحكم قرب هذه اللجان من الواقع الميداني واطلاعها المباشر على الأولويات والحاجات الفعلية، وهو ما تعتبر جهات محلية أنه لا يتوافر اليوم بالقدر نفسه. ورغم تدفّق مساعدات من جهات دولية ومنظمات إغاثية عدة، لا تزال شكاوى النازحين والبلديات المضيفة تتصاعد، وسط سؤال يُطرح بإلحاح: إذا كانت المساعدات تصل تباعًا، فلماذا لا تزال الحاجات الأساسية لكثير من العائلات غير ملبّاة؟.
ملاحظات حول الأداء
وتشير معطيات ميدانية وشهادات متقاطعة إلى تفاوت واضح في الاستجابة بين منطقة وأخرى، سواء لناحية سرعة تلبية الحاجات الطارئة أو حجم المساعدات المقدّمة. ولا تقتصر الملاحظات على مسألة التوزيع، بل تمتد إلى ضعف التنسيق بين وزارتَي الشؤون الاجتماعية والتربية، خصوصًا في المدارس الرسمية المعتمدة كمراكز إيواء. فقد أدى غياب آليات تنظيمية واضحة تحدد الصلاحيات والمسؤوليات إلى إرباك في إدارة عدد من المراكز، وتأخير في معالجة احتياجات النازحين.
كما تعرب بلديات عدة في الشمال عن امتعاضها من محدودية إشراكها في إدارة الملف، معتبرة أنها تُترك غالبًا في موقع المتلقّي للقرارات، رغم كونها الجهة الأكثر احتكاكًا بالتفاصيل اليومية للأزمة والأقدر على تحديد الأولويات الفعلية على الأرض.
وفي هذا السياق، يؤكد رئيس بلدية في إحدى بلدات الشمال لـ”نداء الوطن” أن “الوضع كان سيتحوّل إلى كارثة حقيقية لولا جزء من المساعدات التي تصل عبر المنظمات الدولية”، مشيرًا إلى أن البلديات تتحمل أعباء تفوق إمكاناتها في ظل دعم مباشر محدود.
تقصير الأحزاب
ووفق معلومات “نداء الوطن”، فإن الملاحظات لا تقتصر على الأداء الرسمي لوزارة الشؤون، بل تمتد أيضًا إلى بعض الأحزاب والجمعيات التي يُفترض أن تشكّل حاضنة اجتماعية مباشرة لشريحة واسعة من النازحين، إذ يسجّل متابعون للملف غيابًا ملحوظًا لمبادرات دعم فاعلة أو تدخلًا محدودًا لا يتناسب مع حجم الأزمة، ما عزّز شعورًا لدى عدد من النازحين بأنهم تُركوا لمواجهة ظروفهم بإمكانات ضئيلة.
وأمام هذا الواقع، يبرز سؤال جوهري حول آليات إدارة المساعدات ومساراتها الفعلية، في ظل الدعم الذي يُعلن تباعًا عن تقديمه من دول وجهات مانحة، مقابل استمرار الشكاوى من عدم كفاية المساعدات لتلبية الحد الأدنى من احتياجات النازحين.
وفي مقابل تأكيد الجهات الرسمية أنها تعمل ضمن الإمكانات المتاحة وفي ظروف استثنائية، يبقى الواقع الميداني دافعًا إلى مراجعة جدية لآليات العمل، تقوم على إعادة تفعيل التنسيق المباشر مع لجان إدارة الكوارث والبلديات، واعتماد شفافية أكبر في عرض حجم المساعدات وآليات توزيعها، بما يضمن استجابة أكثر فاعلية وعدالة تحفظ كرامة النازحين وتخفف من معاناتهم اليومية.
بالمقابل يشير مصدر في أحد مراكز الشؤون شمالًا إلى أن ما يصلهم من مساعدات قليل قياسًا باحتياجات النازحين المتزايدة، وأن البيروقراطية الإدارية تعيق تنفيذ هذا الملف بشكل أكثر مرونة.
