كتبت كلارا جحا في “نداء الوطن”:
“أفضّل أن تقوم إسرائيل بضربات دقيقة ضد “حزب الله”، ويمكن أن تساعدهم الولايات المتحدة في ذلك، أو أن نجعل سوريا تقوم بذلك”… كالصاعقة سقط تصريح الرئيس الأميركي دونالد ترامب على رؤوس اللبنانيّين ونفوسهم.
إلا سوريا!
هل يمكن فعلا أن تُستخدم سوريا مجددًا كأداة ضغط أو تدخّل في الساحة اللبنانية ضمن أي مقاربة إقليمية تتعلق بـ”حزب الله”؟ أم أن هذا السيناريو لم يعد واقعيًا في ظل التحولات السياسية الجديدة في دمشق والمنطقة؟
رغم تبدّل النظام السوري وموازين القوى، تبقى سوريا “الفزّاعة” في الوعي اللبناني، حتى لو أراد ترامب من ذلك توجيه رسائل ضغط إلى إيران ومن خلفها “حزب الله”. وهي ليست المرّة الأولى التي تُلوّح فيها واشنطن بعصا سوريا، إذ سبق للمبعوث الأميركي توم برّاك أن تحدّث عن لبنان “الوهم”، وعن تغيّر خرائط سايكس بيكو، وصولا إلى طرح ضمّ لبنان إلى سوريا في حال لم تُحلّ أزمة سلاح “حزب الله”.
شريحة واسعة، إن لم تكن الغالبية، تُجمع على ضرورة إنهاء سلاح “الحزب”. أما واشنطن وتل أبيب، فتعتبران أن إنهاء البنية العسكرية لـ”حزب الله” لا يمكن أن يتحقق إلا عبر الميدان، وصولا إلى اجتياح واسع من الجنوب إلى البقاع، وربما بيروت، كما في عام 1982.
فهل يمكن أن تعود سوريا لاعبًا عسكريًا داخل لبنان؟
السؤال هنا لا يقتصر على مجرد احتمال التدخل السوري، بل يمتد إلى انعكاساته المباشرة على لبنان أولا، سواء على مستوى الاستقرار الداخلي أو التوازنات السياسية أو الذاكرة التاريخية للعلاقات بين البلدين.
فحتى المعارضون لـ”حزب الله” يدركون أن أي دخول عسكري سوري إلى لبنان قد يؤدي إلى نتائج معاكسة تمامًا للأهداف المعلنة، إذ إن الذاكرة اللبنانية ما زالت مثقلة بتجربة الوجود السوري بكل ما حملته من انقسامات وتجاذبات، ما قد يدفع شرائح واسعة إلى رفض أي تدخل خارجي، ويمنح “الحزب” هامشًا إضافيًا لتعزيز خطابه القائم على مواجهة التدخل الأجنبي.
السيناريو العسكري وحدود الحركة
عسكريًا، وفي حال افتراض حصول قرار من هذا النوع، فإن أي تحرك سوري محتمل لن يكون أمامه سوى المعابر البرية التقليدية الممتدة على طول الحدود الشرقية والشمالية، من منطقة المصنع إلى البقاع وصولا إلى المعابر الشمالية.
وقد تحدّثت مصادر عسكرية خاصّة عن إمكان مشاركة سوريا في سحب سلاح “الحزب” عبر محورين:
• محور البقاع الأوسط من جهة الهرمل، رأس بعلبك، عنجر، وهو المحور الأساسي.
• ومحور الشمال في عكار عبر العريضة والعبودية.
ويعيد هذا السيناريو إلى الأذهان مرحلة أواخر سبعينيات القرن الماضي، مع بداية الحرب الأهلية اللبنانية ودخول اللاعب الفلسطيني السياسي والأمني إلى الساحة اللبنانية.
ورغم الاختلاف الكبير بين منظمة التحرير الفلسطينية و”حزب الله”، لكون الأخير مكوّنًا لبنانيًا وابن الأرض، إلا أن بعض المراقبين يرون تشابهًا في أدوات الصراع بين الأمس واليوم، من الاجتياح الإسرائيلي إلى الحرب الأهلية، ثم دخول القوات السورية إلى لبنان.
الموقف السوري والتحولات الإقليمية
لكن الوقائع المتوافرة حتى الآن تناقض هذا السيناريو.
إذ تؤكد معلومات “نداء الوطن” أن الرئيس السوري أحمد الشرع، الذي يزور الولايات المتحدة قريبًا للقاء الرئيس دونالد ترامب، يرفض رفضًا قاطعًا أي انخراط عسكري سوري داخل لبنان، في ظل تركيز دمشق على تثبيت أوضاعها الداخلية وإعادة بناء علاقاتها الإقليمية والدولية.
وتشير مصادر خاصة إلى ميل متزايد لدى الشرع نحو المحور التركي – الإماراتي، مقابل ابتعاد نسبي عن المملكة العربية السعودية، التي تبدي تحفظًا واستياء من هذا التوجّه، رغم الدور الذي لعبه ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في رفع العقوبات عن دمشق، بما فيها تلك المرتبطة بـ”قانون قيصر”، وفتح قنوات التواصل مع الإدارة الأميركية.
لبنان بين الضغط الخارجي والهشاشة الداخلية
في المقابل، يتواصل الضغط على الجيش اللبناني للمواجهة مع “حزب الله”، لكن المؤسسة العسكرية تبدو الأكثر إدراكًا لخطورة هذا السيناريو، إذ تضع أولوية واضحة لمنع أي انزلاق نحو مواجهة داخلية أو إعادة إنتاج مشاهد الانقسام الأهلي.
في موازاة ذلك، لا تخفي جهات غربية قلقها من الوضع الداخلي اللبناني، إذ حذّرت مصادر دبلوماسية فرنسية من ارتفاع منسوب التوتر، فيما تحدثت تقارير أمنية واستخباراتية عن احتمال حصول احتكاكات محلية متنقلة، أكبر من مناوشات وأصغر من حرب أهلية شاملة.
وقد عكست بعض الحوادث الأمنية المحدودة خلال الأشهر الماضية، مثل إشكالات البيسارية وعائشة بكار وغيرها، حجم الهشاشة القائمة وقابلية الوضع للاهتزاز عند أي تطور غير محسوب.
وبحسب معلومات خاصة لـ “نداء الوطن”، فإن الأجهزة الأمنية اللبنانية كافة تتابع هذه المخاطر بدقة وتعمل على احتوائها فورًا، منعًا لأي انفجار داخلي أو انزلاق نحو الفوضى.
