بغداد تتحرّك ضد الفساد.. وبيروت أسيرة التوازنات

بغداد تتحرّك ضد الفساد.. وبيروت أسيرة التوازنات
بغداد تتحرّك ضد الفساد.. وبيروت أسيرة التوازنات

كتبت باسكال صوما في “نداء الوطن”:

منذ سقوط النظام السابق عام 2003، دخل العراق مرحلة إعادة تشكيل سياسية وأمنية عميقة، فتحت الباب أمام نظام جديد قائم على التعددية، لكنها حملت معها أيضًا واحدًا من أكثر التحديات تعقيدًا: تداخل السلطة السياسية مع السلاح والمال العام، إضافة إلى تدخل إيران، عبر أذرعها، في الشأن العراقي. مشهد مشابه للمشهد اللبناني الشديد التعقيد، حيث يحمي الفساد السلاح، ويحمي السلاح الفساد بدوره.

فبعد نهاية الحرب الأهلية اللبنانية، أُعيد بناء النظام على قاعدة التوازنات الطائفية، مع بقاء سلاح “حزب الله” خارج إطار الدولة، وتحوّله إلى عنصر أساسي في معادلة القوة الداخلية والخارجية. بالتوازي، تشكّلت منظومة سياسية مالية قائمة على المحاصصة، أنتجت فسادًا تراكميًّا انتهى بانهيار مالي شامل عام 2019، من دون محاسبة جدية، في ظل احتكار قرار الدولة بيد السلاح وحلفائه. وأتت حربا 2024 و2026 لتدمّرا الجنوب بحروب الإسناد التي قادها السلاح غير الشرعي ذاته، الذي تموّله وتديره إيران.

وفي العراق، في ظل الفراغ الذي أعقب التغيير، برزت فصائل مسلحة متعددة، وتشكّلت لاحقًا أطر رسمية مثل “الحشد الشعبي” بعد عام 2014، في سياق الحرب ضد تنظيم “داعش”، ما أدّى إلى إدماج جزء من القوى المسلحة ضمن الدولة، مع استمرار نفوذ فصائل أخرى خارج السيطرة الكاملة للمؤسسات الرسمية.

بالتوازي، ترسّخت منظومة سياسية قائمة على المحاصصة، تحوّلت معها الوزارات والمؤسسات إلى ساحات نفوذ للأحزاب والقوى المتنفذة، ما فتح الباب أمام شبكات فساد واسعة مرتبطة بالعقود العامة والموارد النفطية.

في هذا السياق، جاءت الحملة الأخيرة في بغداد لتشكّل نقطة تحول لافتة. فقد نفّذت السلطات العراقية خلال الأيام الماضية سلسلة اعتقالات طالت شخصيات سياسية وبرلمانية ومسؤولين كبارًا ورجال أعمال، بتهم تتعلق بالفساد واستغلال النفوذ، في واحدة من أوسع عمليات الملاحقة التي تشهدها البلاد منذ سنوات. ويضاف إلى ذلك بدء الحكومة تنفيذ قرار حصر السلاح بيد الدولة وإنهاء زمن الفصائل.

الأسماء التي طالتها الحملة شملت نوابًا حاليين وسابقين، وشخصيات نافذة في مؤسسات الدولة وقطاع النفط، ما أعطى انطباعًا بأن هامش الحصانة التي تؤمّنها الفصائل التابعة للإيرانيين بدأ يتقلّص أمام ضغط الدولة.

فماذا عن لبنان الذي ينزف منذ عقود من جرح يشبه كثيرًا الحالة العراقية؟ هل يأتي زمن الاعتقالات والمحاسبة؟

لبنان… أزمة ممتدة بلا محاسبة

في هذا السياق، يعتبر الكاتب والمحلل السياسي علي الأمين أن “ما حصل في العراق يعطي دفعة أمل بأن يُستكمل، وأن نشهد شفافية في المحاسبة والمحاكمات، ويعطي دفعة أمل للبنان بأن يدخل في المسار ذاته، لا سيما أن لبنان دفع أثمانًا هائلة بسبب الفساد والمحاصصة والنهب المالي، فعملتنا انهارت، ومصارفنا نُهبت، والسلطة الحاكمة عاثت فسادًا في البلاد، فأقلّه أن نرى مسؤولا يُحاسب على كل هذه الكوارث”.

ويتابع: “هناك قدر كبير من عدم الثقة بالإصلاح الفعلي في لبنان، ولكننا ننتقل إلى مرحلة جديدة في ظل التطورات الإقليمية، وهذا يبعث على الأمل. ونتمنى أن تصيبنا عدوى ما يحصل في العراق، وأن تبدأ المحاسبة. السلاح حمى الفساد، وبالتالي إذا تخلّصنا من السلاح، يُفترض أن يُكشف الفساد. من هنا، أعتقد أن ما يحصل في العراق مؤشر إيجابي للبنان، سواء في موضوع مكافحة الفساد أو حصرية السلاح، فالحكومة العراقية أعطت مهلة حتى 30 أيلول لإنهاء سلاح الميليشيات، ونأمل أن نشهد مشهدًا مشابهًا”.

ويرى أنه “يوم يفقد السلاح غير الشرعي سطوته في لبنان، نكون قد تقدمنا خطوات نحو تحقيق المحاسبة ومعاقبة الفاسدين واستعادة ما أمكن من المال العام، من دون التقليل من محاولة المفسدين استغلال المذهبية والطائفية لحماية فسادهم”.

الفارق بين التجربتين

وبرغم التشابه في البنية العامة للأزمة بين العراق ولبنان، من فساد متجذّر وسلاح خارج الدولة، فإن الفارق اليوم يظهر في مستوى الفعل.

فالعراق، رغم هشاشة مؤسساته واستمرار نفوذ الفصائل، بدأ يستخدم أدوات الدولة القضائية والأمنية لفتح ملفات تطال شخصيات نافذة، في خطوة تعكس محاولة لإعادة فرض هيبة القانون، ولو بشكل تدريجي.

أما في لبنان، فما تزال هذه الخطوة غائبة، إذ تصطدم أي محاولة للمحاسبة أو لحسم ملف السلاح بتوازنات داخلية شديدة التعقيد، تمنع الانتقال من مستوى النقاش السياسي إلى مستوى التنفيذ.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى