كتب ميشال طوق في “نداء الوطن”:
تُعرَّف الخصخصة بأنها نقل ملكية أو إدارة أو تشغيل مؤسسة أو خدمة عامة من الدولة إلى القطاع الخاص، كليًا أو جزئيًا، بهدف رفع الكفاءة، وتحسين جودة الخدمات، وتخفيف الأعباء المالية عن الخزينة. إلا أن الخصخصة لا تعني بالضرورة بيع أملاك الدولة، بل قد تقتصر على منح شركات خاصة حق تشغيل مرفق عام أو إدارته ضمن عقود وشروط محددة، مع بقاء الملكية للدولة وخضوع الشركة لرقابة السلطات العامة. لذلك، فإن جوهر الخصخصة ليس انسحاب الدولة، بل إعادة تعريف دورها، من مدير للمرافق إلى منظم لها ورقيب عليها.
ويكتسب هذا النقاش أهمية خاصة في لبنان، حيث أصبحت الإدارة العامة مرادفًا، في نظر كثير من اللبنانيين، للهدر، والبيروقراطية، والزبائنية، وضعف الإنتاجية. فمن قطاع الكهرباء الذي استنزف مليارات الدولارات من دون تأمين تغذية مستقرة، إلى إدارة النفايات التي تحولت إلى أزمة وطنية، مرورًا بالمرفأ والمطار والطرقات، يتبين أن المشكلة ليست دائمًا في نقص الموارد، بل في سوء إدارتها. كما أن رقمنة الخدمات العامة تمثل أحد أهم الإصلاحات الممكنة، إذ تحد من الاحتكاك المباشر بين المواطن والموظف، فتقلل فرص الرشوة والمحسوبية، وتسرّع إنجاز المعاملات، وتعزز الشفافية وقابلية المحاسبة.
انطلاقًا من هذا الواقع، تبدو الخصخصة خيارًا منطقيًا. فالقطاع الخاص يعمل عادة وفق معايير الكفاءة والربحية، ويواجه ضغوط المنافسة، ما يدفعه إلى تحسين الخدمات وخفض التكاليف والابتكار. غير أن الاعتقاد بأن مجرد نقل إدارة المرافق إلى شركات خاصة سيؤدي تلقائيًا إلى الإصلاح هو تبسيط مخل. فالخصخصة ليست وصفة سحرية، بل أداة اقتصادية لا تنجح إلا إذا توفرت البيئة السياسية والقانونية والمؤسساتية المناسبة.
وهنا تكمن المعضلة اللبنانية. فالشركات العالمية لا تستثمر بناءً على حجم السوق أو الأرباح المحتملة فحسب، بل تنظر أولا إلى مستوى المخاطر. فما قيمة امتياز لتشغيل مرفأ أو مطار لعشرين أو ثلاثين عامًا إذا كان الاستقرار السياسي هشًا، والاقتصاد عرضة للانهيارات، والأوضاع الأمنية غير مضمونة، والقضاء عاجزًا عن حماية العقود أو الفصل السريع في النزاعات؟ إن رأس المال يبحث قبل كل شيء عن الثقة، والثقة لا تُبنى بالوعود، بل بسيادة القانون واستقرار المؤسسات.
ومن هنا، فإن ضعف الدولة لا يعيق الإدارة العامة فحسب، بل يمنع أيضًا نجاح الخصخصة نفسها. ففي غياب قضاء مستقل، وهيئات ناظمة فعالة، وقوانين منافسة صارمة، قد تتحول الخصخصة إلى مجرد انتقال للاحتكار من القطاع العام إلى القطاع الخاص، أو إلى وسيلة لتمكين مجموعات اقتصادية مرتبطة بالنفوذ السياسي من السيطرة على المرافق العامة. وعندها لا يكون الإصلاح قد تحقق، بل تغيرت هوية المستفيدين من الخلل.
إن المفارقة الأساسية هي أن الخصخصة لا تقلل الحاجة إلى الدولة، بل تجعل وجود دولة قوية أكثر إلحاحًا. فكلما توسع دور القطاع الخاص في إدارة المرافق العامة، ازداد دور الدولة في تنظيم الأسواق، ومنع الاحتكار، وحماية المستهلك، وفرض احترام العقود، وضمان المنافسة العادلة. لذلك، فإن نجاح الخصخصة لا يقاس بعدد المؤسسات التي تُنقل إلى القطاع الخاص، بل في قدرة الدولة على مراقبتها ومحاسبتها.
وعليه، فإن الإصلاح الحقيقي في لبنان لا يبدأ ببيع المؤسسات العامة، ولا برفض الخصخصة من حيث المبدأ، بل بإعادة بناء الدولة نفسها. فاستقلال القضاء، واستقرار التشريعات، وتعزيز الهيئات الناظمة، ومحاربة الفساد، وترسيخ الأمنين السياسي والاقتصادي، هي الشروط التي تجعل الاستثمار ممكنًا والخصخصة ناجحة. فالمشكلة في لبنان ليست غياب القطاع الخاص، بل غياب البيئة التي تسمح له بأن يكون شريكًا في التنمية. ومن دون استعادة ثقة المواطن والمستثمر بالدولة، ستبقى الخصخصة شعارًا جذابًا، لكنها لن تتحول إلى مشروع إصلاحي قادر على إخراج لبنان من أزمته.
