لبنان بين ضغوط الحرب وارتفاع كلفة المعيشة: البنزين والخبز في الواجهة

لبنان بين ضغوط الحرب وارتفاع كلفة المعيشة: البنزين والخبز في الواجهة
لبنان بين ضغوط الحرب وارتفاع كلفة المعيشة: البنزين والخبز في الواجهة

جاء في «الراي الكويتية» أن لبنان يواجه ضغوطاً متزامنة على المستويين العسكري والمعيشي، في ظل تداعيات أزمة الطاقة المرتبطة بحرب إيران، وتوترات المنطقة، وارتفاع أسعار المشتقات النفطية وانعكاساتها التضخمية على اقتصاد يعاني منذ سنوات من الانهيار المالي والمصرفي والنقدي.

وتبدو بيروت، بحسب التقرير، عالقة بين واقع عسكري تضبط إسرائيل سرعته فيما يديره «حزب الله» وفق مقتضيات توصف بأنها إيرانية، ووضع معيشي يزداد تدهوراً مع ارتفاع أسعار المحروقات والمواد الأساسية. ويسود اعتقاد بأن امتناع الحزب عن التصدي لتوغلات إسرائيل و«تقنين» استخدام ما تبقى من أسلحته ومسيّراته وصواريخه، ولا سيما الاستراتيجية منها، يرتبط بأولوية الجبهة الإيرانية والاحتفاظ بها لساعة الصفر، من دون أن يعني ذلك أنه «انتهى» أو أنه لن يتحرك إذا ضغطت طهران «على الزر».

كما يورد التقرير أن الحزب قد يشكل، في حال طال أمد «عضّ الأصابع»، «الذراع» التي تصل البحر المتوسط بحلقة النار، باعتباره الأقرب إلى المتوسط ويمتلك صواريخ مضادة للسفن. وكان السيد حسن نصر الله قد هدد في صيف 2024 بأن «أي مواجهة واسعة النطاق (بين الحزب وإسرائيل) ستشمل استهدافات في المتوسط».

في المقابل، تسعى الدولة إلى احتواء الوضع العسكري عبر مسار المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، الذي وفّر حتى الآن، وبضغط أميركي، ما يصفه البعض بـ«لبنان المفيد». ويأتي ذلك في انتظار تبلور أفق الجبهة الإيرانية التي تربط ورقة سلاح «حزب الله» بـ«مصير» نظامها، بما يمنح تل أبيب ذريعة للتمسك بعدم الانسحاب من جنوب لبنان.

وتوقفت أوساط مراقبة عند إعلان السفير الأميركي لدى تل أبيب مايك هاكابي أن الجيش الإسرائيلي سيبقى في الجنوب «حتى يصبح الجيش اللبناني قوياً»، وأن إسرائيل لا تريد ضم متر واحد من الأراضي اللبنانية. وربطت هذه الأوساط كلامه بالمناخات التي برزت بشأن ربط المساعدات للقوات المسلحة اللبنانية بتحقيق تقدم فعلي في ملف سحب سلاح «حزب الله»، وهو الملف الذي كان محور الاجتماع التحضيري لمؤتمر دعم الجيش اللبناني المنعقد الخميس في باريس.

وفي هذا السياق، توجه رئيس الحكومة نواف سلام إلى نيويورك للمشاركة في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة وإلقاء كلمة لبنان ولقاء عدد من قادة الدول، قبل انتقاله إلى واشنطن للاجتماع بوزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ومسؤولين آخرين.

وعلى الصعيد المعيشي، حذرت مصادر سياسية من أن ترك ثغرات في الإجراءات أو في مخاطبة اللبنانيين قد يفتح منافذ لغضب الشارع «المضغوط»، الذي بدأ يعبّر عن تململ من الارتفاعات القياسية في أسعار المحروقات. وظهر ذلك، وفق التقرير، مع سائقي الباصات في طرابلس اليوم السبت، بالتزامن مع بلوغ سعر صفيحة البنزين 31.5 دولاراً، فيما ارتفع سعر ربطة الخبز قبل أربعة أيام خمسة آلاف ليرة ليصل إلى 95 ألف ليرة.

وحذر رئيس اتحاد نقابات الأفران والمخابز ناصر سرور من أن هذا «أول الغيث»، وقال إن «الارتفاع المتسارع في أسعار المحروقات والقمح والطحين وسائر المواد الداخلة في صناعة الرغيف سيؤدي حكماً إلى ارتفاع سعر ربطة الخبز»، لأن منصة تسعير الرغيف المتفق عليها مع وزارة الاقتصاد تحتسب الكلفة وفق تغير أسعار المواد الأولية وسعر الصرف.

وطالب سرور بـ«دعم حكومي مباشر للرغيف»، لكنه أقر بأن ذلك «يبدو حالياً شبه مستحيل في ظل الظروف المالية»، ما لم تبادر الدول الصديقة للبنان إلى تقديم هبات من القمح أو الطحين تساعد على تخفيف كلفة الرغيف.

ويأتي ذلك بينما لا يزال لبنان، بحسب التقرير، يعيش تداعيات الانهيار الذي بدأ قبل سبعة أعوام، مالياً ومصرفياً ونقدياً واقتصادياً واجتماعياً، من دون استكمال أرضية الخروج منه، بدءاً من الإصلاحات المالية والهيكلية وصولاً إلى آليات استرداد الودائع العالقة في المصارف. وترجح هذه العوامل أن تكون موجات التضخم العالمية الناتجة من أزمة الطاقة وإمداداتها أشد تأثيراً في لبنان.

وتشمل عوامل الهشاشة غياب خطط الحماية أو تكوين مخزون استراتيجي، وعدم قدرة الدولة على التدخل لتثبيت الأسعار أو ضبط الأسواق، بالتزامن مع ضغوط جبهة الجنوب واحتمال استنزاف البلاد في «حرب الآخرين» التي تختزلها هذه المرة إيران.

وفي ختام زيارة وفد منه لبيروت اليوم السبت، توقع صندوق النقد الدولي أن يشهد النشاط الاقتصادي في لبنان «انكماشاً كبيراً» عام 2026، في ظل استمرار الصراع في الشرق الأوسط والتوتر الأمني الأوسع في المنطقة، وتأثير ذلك على النشاط الاقتصادي والبنية التحتية وظروف المعيشة. وذكر الصندوق أن معدلات التضخم لا تزال في خانة العشرات، وأن عجز المعاملات الجارية ارتفع إلى حد كبير بسبب زيادة تكاليف الطاقة، فيما فاقمت أضرار البنية التحتية والنزوح الداخلي وتدهور مستويات المعيشة الضغوط الاقتصادية.

ويرى التقرير أن التضخم المستمر منذ انفجار الأزمة المالية عام 2019 يدفع أسعار السلع إلى الارتفاع المتواصل، مع اتجاه التجار والأسواق إلى التحوط من المخاطر عبر زيادات استباقية عند ارتفاع أسعار المحروقات أو الرسوم. كما أن أثر ارتفاع أسعار الوقود في لبنان يتجاوز كلفة التنقل، إذ تعتمد الزراعة والصناعة والتجارة في مراحل الإنتاج والإمداد والتخزين والتوزيع على مشتقات النفط، فيما تعتمد المستشفيات والمصانع والمتاجر وإمدادات المياه على المولدات الخاصة.

وتعتمد المنازل بدورها على «كهرباء مولدات الأحياء» للتبريد والتدفئة والإنارة، في ظل تقنين مؤسسة كهرباء لبنان الذي لا يؤمن سوى بضع ساعات من التغذية يومياً. لذلك، تنعكس أي زيادة في أسعار البنزين والمازوت تضخماً مركباً يصل إلى مختلف السلع والخدمات.

وبحسب أوساط اقتصادية، يشكل غياب قطاع نقل عام منظم ومستدام عبئاً إضافياً، إذ يضطر المواطنون إلى استخدام مركباتهم الخاصة للوصول إلى العمل أو نقل الأولاد إلى المدارس. ومع بلوغ سعر صفيحة البنزين نحو 31.5 دولاراً، لا يشتري الحد الأدنى الرسمي للأجور البالغ 28 مليون ليرة، أي نحو 312 دولاراً، سوى عشر صفائح بنزين. وكان الاتحاد العمالي العام أعلن أخيراً أن الحد الأدنى المطلوب لعائلة من أربعة أشخاص يلامس 1200 دولار شهرياً.

ويرتبط ارتفاع المحروقات أيضاً بكلفة الخبز، وفق ناصر سرور، بسبب نقل الطحين وتشغيل المطاحن والأفران. وبحسابات التقرير، تبلغ كلفة ربطة الخبز البالغة نحو 95 ألف ليرة، أي 1.06 دولار، لعائلة من أربعة أفراد تحتاج إلى ربطتين يومياً، نحو 5.7 ملايين ليرة شهرياً، أي 63.6 دولاراً. وتمثل هذه الكلفة أكثر من خمس الحد الأدنى للأجور، بما يعادل دخل ستة أيام عمل شهرياً.

وتتزامن هذه الضغوط مع استمرار التدقيق الخارجي في ملف سلاح «حزب الله»، في وقت اتخذت الدولة قرارات مهمة بشأن حصر السلاح لكنها تربط تنفيذها بـ«عدم استجرار صدام داخلي». ومع توسع إيران وأذرعها ميدان النار في المنطقة، تتزايد المخاوف من أن تتحول الضغوط المعيشية المتراكمة إلى «قنبلة موقوتة» تدفع الشارع إلى التحرك في مواجهة الحكومة، في ظل غياب هوامش لدى الطبقتين الفقيرة والوسطى لامتصاص موجات تضخم جديدة، وخشية من توظيف أي تحركات مطلبية سياسياً في ملف حصر السلاح ومسار المفاوضات مع إسرائيل، بعدما كان الحزب دعا إلى «اختزان الغضب» بانتظار اللحظة المناسبة.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى