تتباين نظرة اللبنانيين إلى حزب الله بين اعتباره مقاومة محقة في نظر أتباعه، وميليشيا خارجة عن سلطة الدولة، وحزبًا مسلحًا تابعًا لإيران. ويجمع الحزب بين كتلة نيابية كبيرة ووزراء شاركوا في الحكومات اللبنانية المتتالية منذ أكثر من ثلاثين عامًا، وبين تنظيم عسكري متكامل يملك ترسانة أسلحة غير خاضعة لسلطة الدولة.
هذا التداخل بين الدور السياسي والمؤسساتي من جهة، والبنية العسكرية والتنظيمية والتمويلية والخدماتية المستقلة من جهة أخرى، يجعل حزب الله حالة يصعب إدراجها ضمن المفاهيم الأكاديمية التقليدية للميليشيا أو المقاومة أو الحزب السياسي، وقد أثار اهتمام باحثين في علم السياسة في جامعات عالمية كبرى.
وتشير التصنيفات الأكاديمية المختلفة إلى أن الحزب ليس مجرد ميليشيا مسلحة بالمعنى التقليدي، ولا مقاومة تعمل في الخفاء. فهو يعمل داخل مؤسسات الدولة ويستفيد من طاقاتها وإمكاناتها، فيما يحتفظ بقدرات عسكرية وتمويلية وتنظيمية وخدماتية خارجها، بما يحمي وجوده واستقلاليته ويكرّس كيانًا هجينًا يصعب تعريفه في الأدبيات السياسية.
ازدواجية في العلاقة مع الدولة
ينقل أحد الأجانب، وهو متخصص في دراسات الشرق الأوسط، بعد إقامته أشهرًا في لبنان، أن أكثر ما أدهشه لم يكن وجود السلاح لدى حزب الله، باعتبار أن ذلك معروف لدى الميليشيات المسلحة في عدد من بلدان الشرق الأوسط، بل وجود سجون تابعة للحزب داخل مناطقه وتحت أعين الدولة اللبنانية.
وبحسب روايته، تدخلت إحدى السفارات الخارجية مباشرة للإفراج عن أحد مواطنيها، بعدما احتُجز في أحد هذه السجون إثر قيامه بتصوير أشخاص في الضاحية الجنوبية لأهداف بحثية. وتطرح هذه الواقعة، كما ترد في المادة، تساؤلات حول تصنيف علم السياسة، ولا سيما في الغرب، لتركيبة حزب الله ومؤسساته وعلاقته بالدولة اللبنانية.
وفي دراسة أعدتها مارينا كالكولي، الباحثة والأستاذة المحاضرة في جامعة لايدن، بعنوان Mimetic hedging: Hezbollah’s resistance against all odds، والصادرة عام 2025، تصف الباحثة استراتيجية الحزب بأنها «الموازنة عبر المحاكاة». فهو يحاكي الدولة من جهة، ويحتفظ باستقلاله العسكري والسياسي عنها من جهة أخرى.
وتوضح الدراسة أن الحزب يعمل كحزب سياسي داخل المؤسسات اللبنانية، ويشارك في الانتخابات البرلمانية ويتولى أدوارًا وزارية، فيبدو متكيفًا مع قواعد الدولة والنظام السياسي، وهو ما تسميه الدراسة «المحاكاة». لكنه يستخدم في الوقت نفسه استراتيجية «التستر»، عبر توظيف موقعه داخل الدولة لحماية دوره خارجها وتمرير نشاطه وأهدافه غير المرتبطة بمؤسسات الدولة.
وتخلص الدراسة إلى أن التداخل بين الدور المؤسساتي وغير المؤسساتي يمثل أحد أسباب قدرة الحزب على الصمود. كما تشير إلى أن الدولة اللبنانية توفر له مساحة من الاستقلالية تمكّنه من العمل داخل الدولة وخارجها، ولا تختصر العلاقة بين الطرفين بالقول إن حزب الله يقف ضد الدولة، بل تعتبر أنه يستخدمها جزءًا من استراتيجية بقائه.
وفي دراسة أوسع صادرة عن جامعة أوكسفورد عام 2022 بعنوان Militaries, Militias and Violence، حول العلاقة بين الجيوش النظامية والميليشيات والقوى المسلحة غير التابعة للدولة، يرد أن الحدود بين الجيش النظامي والقوة العسكرية غير التابعة للدولة أصبحت ضبابية في الشرق الأوسط. ورغم أن الدراسة لا تصنف حزب الله كميليشيا، فإنها تتيح تصنيفه بوصفه «فاعلًا عسكريًا غير حكومي» يصعب رسم الحدود الفاصلة بينه وبين الدولة وقوتها العسكرية.
وفي دراسة أخرى صادرة عن جامعة أوكسفورد بعنوان Strong militias, weak states and armed violence: Towards a theory of ‘state-parallel’ paramilitaries، يرى كاتبها حسين عالياف أن حزب الله ليس ببساطة خارج الدولة، كما أنه ليس مؤسسة من مؤسساتها، على غرار بعض الميليشيات التابعة مباشرة للنظام الحاكم، بل هو فاعل «هجين» يجمع بين العمل داخل المؤسسات وخارجها.
ويعتبر عالياف أن الحزب استخدم موارد الدولة وإطارها القانوني والسياسي لتعزيز استقلاليته عنها، وأنه ظهر في بعض الظروف مدافعًا عن سيادة الدولة وأراضيها، رغم أن قوته العسكرية تعمل خارج المفهوم الدولي المتعارف عليه لاحتكار الدولة للسلاح.
فاعل إلى جانب الدولة أو منافس لها
وتؤكد دراسة أخرى صادرة عام 2021 للباحثة الدكتورة لينا الخطيب، التي تدير برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في «تشاتهام هاوس»، هذا الدور الهجين لحزب الله. فالدراسة تعتبره أكثر التنظيمات السياسية تأثيرًا في لبنان، وتقول إنه يتمتع بدرجة من الشرعية داخل الدولة اللبنانية بسبب وجود نواب ووزراء له، لكنه يستطيع في الوقت نفسه العمل من دون مستوى المساءلة المفترض لمؤسسة تابعة للدولة.
وبحسب الدراسة، يستمد الحزب قوته من وجوده داخل الدولة، مع احتفاظه بقوة عسكرية وأمنية ومالية خارج مؤسساتها. وهو لا يتلقى أوامره من الدولة، لكنه يتمتع بقدر من الشرعية يستمده منها عبر تقديم نفسه مدافعًا عنها. وبذلك يصبح، وفق الدراسة، فاعلًا يمارس السلطة إلى جانب الدولة أو بمنافستها أو بالتعاون معها.
وتتفق هذه الدراسات على أن حزب الله ليس مجرد ميليشيا بالمعنى التقليدي، لكن خلاصاتها تطرح إشكالية تمس جوهر الواقع السياسي في لبنان، الذي يدفع ثمنها من أرضه وسيادته وموقعه العالمي. فقد دعا اتفاق الطائف إلى بسط سيادة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية ونزع سلاح الميليشيات، إلا أن وضع الحزب تطور في مرحلة ما بعد الحرب على نحو مختلف، إذ لم يعد يُنظر إليه كميليشيا بالمعنى المقصود في الاتفاق، واستمر سلاحه تحت عنوان «المقاومة».
ومع انتهاء الاحتلال الإسرائيلي للجنوب، وجد حزب الله نفسه أمام معضلة استمرار السلاح خارج سلطة الدولة. لكنه تعامل مع هذا الضغط عبر قضية مزارع شبعا واستمرار خطاب «المقاومة»، وواصل أداء دوره المزدوج داخل الدولة وخارجها.
ومن خلال شبكة مؤسسات متداخلة، تحول الحزب إلى قوة عسكرية تشبه الجيش بدرجة أكبر، ولكن من دون دولة، وأنشأ سلطة بحكم الأمر الواقع داخل دولة ذات سيادة، ولا سيما بعد تطور قدراته العسكرية وظهور ملامح أكثر تقليدية في بنيته العسكرية وقدرته على خوض حرب واسعة النطاق، وهو ما برز في حرب الإسناد التي خاضها عام 2024.
وأدى وجود قوة عسكرية كبيرة ومستقلة عن الدولة، بما تملكه من إمكانات مالية وخدمات اجتماعية، إلى تقويض سلطة الدولة وحصريتها للسلاح واستخدامه من جانب الجيش والقوى الأمنية. وتُعد هذه الحصرية، في علم السياسة، أحد المفاهيم الأساسية التي تقوم عليها الدولة عادة.
كما ساهمت شبكة الخدمات التي يديرها الحزب في مناطق نفوذه، ووظائفه الأمنية والقضائية والاجتماعية والاقتصادية فيها، إلى جانب وجود السجون والكيانات المالية مثل «القرض الحسن»، في تمويه أو طمس الحدود بين الدولة والدويلة. وتستخدم دراسة بعنوان The limits of law in a post-Westphalian world مفهوم «السيادة الهجينة» hybrid sovereignty للإشارة إلى هذا الدور الشبيه بدور الدولة الذي يضطلع به الحزب في مناطقه، باعتباره دويلة هجينة داخل الدولة.
حدود ضبابية بين الدولة والدويلة
ووفق دراسة صلوخ وميكائيليان الصادرة عن Oxford University Press، كان حزب الله لعقود الفاعل الأكبر في دولة ضعيفة. وتطرح المادة تساؤلات حول ما إذا كانت الدولة قد أدركت خطورة دور الحزب الذي يقوّض سلطتها من الداخل، بعد الحروب المدمرة التي ورّط لبنان فيها.
كما تتساءل عن مدى كفاية خطوة حظر الأنشطة العسكرية والأمنية لحزب الله باعتبارها خارجة عن القانون، وحصر السلاح بيد الدولة، وهي الخطوة التي قامت بها الحكومة اللبنانية في شهر آذار الماضي. وتطرح كذلك احتمال أن يكون اعتبار أي أنشطة أمنية أو عسكرية ينفذها الحزب «خارجة عن القانون» وغير معترف بها من قبل الدول، وحصر عمله في المجال السياسي، محاولة لوضع حد للازدواجية التي ميّزت عمله خلال العقود السابقة.
وتبقى الأسئلة مطروحة حول ما إذا كانت هذه الخطوة تمثل بداية لاستعادة الدولة دورها كفاعل عسكري وحيد على الأراضي اللبنانية والخروج من مفهوم «السيادة الهجينة»، فيما لا تزال الحدود بين الدولة والدويلة ضبابية.