سلام يعيد الدولة إلى الجنوب

سلام يعيد الدولة إلى الجنوب
سلام يعيد الدولة إلى الجنوب

كتب سامر زريق في “نداء الوطن”:

ليس صدفة أن يجري رئيس الحكومة نواف سلام جولته في النبطية فور عودته من نيويورك وواشنطن. فهذه المنطقة التي يقترب منها موس الاحتلال كانت امتدادًا ميدانيًا لجولته ذات البعدين الدولي والأميركي.

بينهما جاءت جلسة مجلس الوزراء بحكم المهل القانونية للموازنة، فيما كان جدول زيارة النبطية معدًّا سلفًا، لأنها كانت حاضرة في كل الطاولات التي جلس إليها سلام باسم الدولة. ولذلك قال لأهل المنطقة والجنوب: “كانت حاجاتكم وهمومكم معي في نيويورك وواشنطن في كل لقاءاتي”.

العنوان الذي أراد سلام أن يفرض إيقاعه على الجولة بتفاصيلها هو إعادة الدولة إلى الجنوب، والتي كانت ولا تزال تُتهم بالاستقالة من واجباتها إزاء منطقة صيّرتها التحولات الإقليمية ساحة لمشاريع النفوذ. لذلك، فإن كل الافتتاحات والخطوات التي حصلت بالأمس صُممت لتكون تعبيرًا عمليًا عن التزام الحكومة بإعادة انتظام الحياة العامة والمؤسساتية في منطقة عانت طويلا من الفراغ الدولتي.

من ترميم السراي الحكومي إلى المناقصات المعلنة، وتلك التي ستُعلن، مرورًا بافتتاح مركزي الأمن العام وأمن الدولة ودائرة النفوس، كانت الرسالة أن المؤسسات تتجاوز المباني فقط إلى الحضور والوظائف والخدمات.

كما أن الترميم يتجاوز المعنى المادي ويتصل بترميم جزء من الذاكرة الوطنية ومنطق الدولة المهشّم. خطوات صغيرة في ظاهرها، لكنها ضرورية لتجسير الفجوة المزمنة بين الشرعية والمجتمع، عبر مراكمة الحضور والإنجاز، بموازاة احترام الخصوصيات الدينية، بعيدًا من الدعاية السياسية التي تتبنى الاستقطاب المذهبي الحاد كآلية دفاع وجودي.

لكن كيف يمكن لهذا المسار أن يثبت فيما المنطقة أسيرة الضبابية وعدم اليقين، ولبنان يتأرجح سياسيًا بين إسرائيل والحرس الثوري في لبنان، مجسداً في “حزب الله”؟ وكيف تصمد الخطوات التنفيذية إذا أمسى اتفاق الإطار جسدًا بلا روح، فيما يستعجل الممانعون نعيه؟

هنا تكمن أهمية جولة سلام في نيويورك وواشنطن ونتائجها كمفتاح لفهم جولة النبطية. فإذا كانت لقاءاته مع البنك الدولي وصندوق النقد الدولي حملت تثمينًا لما أنجزته الحكومة من خطوات ضرورية، وفتحت نوافذ جديدة يمكنها أن تضخ بعض “الأوكسيجين” في رئتي اقتصاد يعاني اختناقًا بنيويًا، فإن اجتماعه بوزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو حمل العنوان الأكثر اتصالا بالجنوب: إحياء اتفاق الإطار.

وباب الإحياء هذا له مفتاحان: الأول، قوة تحقق موثوقة تكسر دائرة المراوحة بين الشروط الإسرائيلية الفضفاضة وضوابط الجيش اللبناني، عبر آليات واضحة ودقيقة. والثاني، جدول الانسحاب الإسرائيلي، المرتبط بدوره بآليات التحقق ضمن استراتيجية “خطوة – خطوة”.

أي أن الدولة تدخل كل منطقة وتستعيد وظائفها، من الجيش إلى سائر المؤسسات التنفيذية، ثم تأتي قوة التحقق لحسم أي جدل حول “جيوب” خارجة عن الشرعية. لتنتقل الكرة بعدها إلى ملعب إسرائيل للانسحاب من المنطقة التالية. والنبطية، بهذا المعنى، هي ترجمة أولى لهذه المعادلة، وإن بصورة غير مكتملة بعد.

لبنان في هذا الاختبار لا يملك سوى التمسك بالشرعية الدولية ومعاهداتها كأداة سياسية لترسيخ مشروعية الدولة. كما لو أنه يقتبس واحدةً من ركائز استراتيجية المستشار النمساوي كليمنس فون مترنيخ التفاوضية خلال صراعات أوروبا في القرن التاسع عشر: تحويل المعاهدات والتفاهمات الدولية إلى أدوات لإدارة الصراع وحماية توازناته.

وهذا ما دفع رئيس الحكومة، خلال اجتماعه بالأمين العام للأمم المتحدة، إلى التباحث بشأن قوة بديلة تحل مكان “اليونيفيل” تحت راية الشرعية الدولية، بما يمكن أن يتكامل مع قوة التحقق، والتي تتجاوز آلياتها جنوب الليطاني، وتندرج ضمن منطوق القرار 1701 واتفاق وقف الأعمال العدائية بين لبنان وإسرائيل.

بهذا المعنى، يظهر الخيط الناظم بين زيارة النبطية وجولة واشنطن ونيويورك. فما يبحثه سلام خارجيًا ما بين أروقة الأمم المتحدة والصناديق الدولية ودوائر القرار الأميركي هو الإطار الذي يسمح للدولة بالتحرك جنوبًا. وما بدأ تنفيذه في النبطية هو الاختبار الميداني لهذا المسار. وبينهما يقف اتفاق الإطار كحلقة وصل بين التفاوض والآليات والتنفيذ، على قاعدة “خطوة – خطوة”.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى