انتهى رؤساء حكومات لبنان السابقين من لقائهم بالعاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز، حيث أصدروا بياناً عقب اللقاء، لفتوا فيه إلى أن المملكة لن تدخر جهدا لحماية وحدة لبنان وسيادته واستقلاله، وأشاروا إلى أنه تم التباحث في العلاقات التاريخية وتعزيزها، فيما قال الرئيس نجيب ميقاتي بأن السعودية ستمد يد المساعدة للبنان وستكون هناك خطوات سعودية قريبة تجاهه.
خطوة زيارة الرؤساء الثلاث الى المملكة اتت لتستكمل سلسلة خطوات كانوا قد قاموا بها منذ اختلال كفة الحكومة لصالح حزب الله وحلفائه، وبعد محاولات عديدة من قبل التيار الوطني الحر ورئيسه جبران باسيل لتجاوز الصلاحيات الممنوحة له والقضم من صلاحيات رئيس الحكومة... خطوة بدأها الرئيس ميقاتي مستغلاً نقاط ضعف الرئيس الحريري كي يظهر نفسه وكأنه المارد السني الذي يخشى على حقوق طائفته، وعلى الرغم من كل محاولاته لاظهار نفسه في صورة الحمل الوديع الذي كل همّه الوقوف الى جانب رئيس الحكومة في الايام الصعبة والانتكاسة التي يعاني منها مركز السنّة في لبنان، فإن ما يحاول ان يخفيه واضح كالشمس امام الجميع.
استنهز ميقاتي الهجمة المتواصلة على رئاسة الحكومة وضع استراتيجيته وحَبَك "مؤامرته"، اقنع الرئيسين سلام والسنيورة باهدافه المزيفة ليبادر واياهم قبل شهر الى توجيه رسالة الى رئيس الجمهورية ميشال عون مناشدين اياه التدخل لوضع حد لاستفزازات باسيل معلنين ان صلاحيات رئاسة الحكومة خط احمر، لاسيما وان رئاسة الحكومة راهنا ليست في الموقع الذي كرّسه لها اتفاق الطائف في ظل المحاولات المتواصلة من قبل اكثر من طرف لاستهداف هذا الموقع واضعافه في مقابل مهادنة وغض نظر من قبل الحريري، وبعدها وصل ميقاتي الى الخطوة التي خطط لها منذ البداية والتي هي غايته الاساسية الا وهي زيارة المملكة السعودية التي جاءت بناء على طلبه والرئيسين سلام والسنيورة.
ساعد ميقاتي في "مؤامرته" على الحريري ومحاولة اظهار نفسه على حساب الاخير تزايد الاحباط الذي يعاني منه الشارع السنّي، بسبب مهادنة الحريري وتمريره الكثير من القضايا على حساب طائفته حتى باتت مكسر عصا والطائفة الاضعف في الوطن، لكن نسي ميقاتي او تناسى انه حكومته هي حكومة "القمصان السود" وانه تنازل عن كرامة رئاسة الحكومة والدستور والاعراف يوم قبوله تكليفا جاء عقب انقلاب اسود على الشرعية، بعد حديث امين عام "حزب الله" حسن نصرالله عن اجراء تفحص لرؤساء الحكومة المقترحين مشيرا ان احدهم قليل الفرصة وآخر مريض حتى استقر رأيه على ميقاتي فاختاره. وماذا عن تورط ميقاتي في دعم نظام الرئيس السوري بشار الأسد سياسياً وإقتصادياً وعسكرياً عبر دعم بعض الجماعات التابعة للنظام السوري، وماذا عن حجم إستثماراته الموجودة في سوريا وتحديداً في قطاع الإتصالات من خلال شركة "MTN" كما لم ينس احد انه أبرز ممولي قناة الدنيا التابعة للنظام وهو أحد رجال الأعمال الذين اعتمد عليهم بشار الأسد في مطلع حكمه لبلورة مشروعه الاقتصادي العائلي والقائم على المقربين والموثوقين منه.
دعم ميقاتي للنظام السوري تبلور بالتفاهم مع "حزب الله" من خلال الإتيان بميقاتي رئيساً للحكومة عام 2011 بدلاً عن الرئيس سعد الحريري عبر إنقلاب ما بات يعرف بالقمصان السود. أما الثمن الذي حصل عليه الاسد من هذا الدعم، فكان أول طعنة واضحة من لبنان عندما وقف ضد قرار تجميد عضوية النظام في جامعة الدول العربية، ثم حاول النظام عبر نجيب ميقاتي تفتيت الطائفة السنية في لبنان، وخلق صراع داخلها في مدينة طرابلس على وجه الخصوص، والتي كانت من أبرز الداعمين للثورة السورية، إلا أن النظام وحزب الله لم يفلحا في هذا المسعى.
مشكورة المملكة السعودية على انفتاحها الواسع على لبنان ودعمه والوقوف الى جانب الطائفة السنية ومشكورة على خطواتها الاخيرة برفع حظر سفر السعوديين الى بيروت، وبارسال وفد للمرة الاولى من مجلس الشورى، فهي معقل العروبة والاسلام والعمق العربي الكبير، ولها فضل كبير على لبنان تجلى في محطات كثيرة منها اتفاق الطائف، وما نقل عن خادم الحرمين خلال زيارة الرؤساء الثلاث يفرح القلب، حيث اعرب صراحة عن دعمه لعروبة لبنان والوفاق الوطني ولمؤسساته الشرعية، وعن حرصه الشديد والصريح على التوازنات في لبنان وعلى تحصينه بوجه المتغيرات التي تحصل في المنطقة.