مخبأ خامنئي: أسرار وتفاصيل السر المدفون تحت طهران

مخبأ خامنئي: أسرار وتفاصيل السر المدفون تحت طهران
مخبأ خامنئي: أسرار وتفاصيل السر المدفون تحت طهران

كتب وليد فريجي في “نداء الوطن”:

في ظل التحرّكات العسكرية الأميركية الضخمة باتجاه الشرق الأوسط التي تنذر باقتراب قرع طبول الحرب رغم الإشارات المتردّدة والخجولة التي خرجت أخيرًا من واشنطن وطهران، لا يبدو أن النظام الإيراني يتصرّف بوحي انفراج دبلوماسي وشيك. فخلف لغة التفاوض، تعمل طهران بعقل أمني يفترض الأسوأ، ويضع سيناريو الحرب المفتوحة في صلب الحسابات. وفي قلب هذه المقاربة، يبرز السؤال الأهم: أين يكون المرشد الأعلى علي خامنئي إذا اندلعت الحرب؟

المخبأ عقيدة لا ملجأ

وفق تقارير استخبارية غربية متقاطعة، لا يعتمد خامنئي مقرًا واحدًا ثابتًا في حالات الطوارئ القصوى، بل شبكة مخابئ شديدة التحصين أُنشئت على مراحل، منذ الحرب العراقية – الإيرانية، وتطوّرت لاحقًا مع تغيّر طبيعة الحروب والضربات الدقيقة. هذه المخابئ، التي يُعتقد أنها تقع في مناطق جبلية داخلية بعيدة عن الحدود والسواحل، صُمّمت لتكون خارج متناول الضربات الجوية والصاروخية، ولتحصين “رأس النظام” من أي محاولة استهداف في الساعات الأولى لأي مواجهة شاملة.

ولا تُدار هذه المواقع كـ “مقر قيادة” تقليدي، بل كجزء من منظومة تمويه وتبديل دائم، تحول دون تثبيت أي موقع كهدف ثابت. فالمخبأ، في العقيدة الإيرانية، ليس مجرد إجراء احترازي، بل عنصر بنيوي في استراتيجية البقاء.

وفي هذا السياق تشير تقارير، إلى أن خامنئي يوجد في الوقت الراهن في مخبأ تحت الأرض، وأحيانًا ينتقل بين مخابئ عدة متصلة بشبكة أنفاق معقدة ومحصنة، يقال إنها بنيت أيضًا لاستضافة كبار قادة الحرس الثوري والاستخبارات الإيرانية. وترجح التقارير أن المخبأ موجود في منطقة لويزان شمال شرق طهران، وأن البنية ليست مجرد مخبأ صغير بل شبكة تحت الأرض صممت لتحمل ضربات مباشرة. وتلفت التقارير إلى أن المخبأ استخدم خلال الحرب الإيرانية – الإسرائيلية وأن إيران نقلت الخامنئي وعائلته إليه.

التفاوض لا يلغي التحصّن

اللافت أن تصاعد الحديث عن مخبأ المرشد يتزامن مع مسار تفاوضي يُفترض أنه يخفف احتمالات الحرب على الرغم من التحشيد العسكري الأميركي الحاصل لضرب إيران والترجيحات بانطلاق ساعة الصفر في غضون أيام. غير أن النظام الإيراني لا ينظر إلى التفاوض بوصفه مظلّة أمان، بل مرحلة هشّة قابلة للانهيار في أي لحظة. لذلك، يبقي خامنئي نفسه داخل معادلة “التحصّن الدائم”، حتى وهو يبعث إشارات مرونة مقنعة عبر القنوات الدبلوماسية. هذا التناقض الظاهري يعكس قناعة راسخة في طهران: لا وجود لسلام موثوق قبل اختباره ميدانيًا، ولا ضمانات دائمة في نظام دولي متقلّب.

رأس الهرم هدف محتمل

سياسيًا، يتجاوز المخبأ بُعده الأمني ليحمل دلالة أعمق. فهو تعبير عن إدراك إيراني متزايد بأن استهداف رأس الهرم لم يعد من المحرّمات النظرية في أي حرب مقبلة، خصوصًا في ظل النقاش المتنامي داخل إسرائيل والولايات المتحدة حول جدوى “ضرب المركز” بدل الاكتفاء بضرب الأذرع الإقليمية.

وفي هذا السياق، يصبح تحصين المرشد رسالة مزدوجة: للداخل، بأن النظام مستعد للأسوأ ولن ينهار بضربة واحدة؛ وللخارج، بأن أي رهان على شلّ القيادة سريعًا هو رهان محفوف بالمخاطر.

قيادة تحت الأرض

مع دخول وقف إطلاق النار بين إيران وإسرائيل حيّز التنفيذ، تزايدت يومها التساؤلات داخل إيران حول غياب المرشد الأعلى، الذي لم يظهر علنًا حوالى الأسبوعين، رغم تصاعد الأحداث داخليًا وخارجيًا. وحسب صحيفة جيوزاليم بوست، تحوّل غياب خامنئي يومها إلى مصدر قلق شعبي واسع.

وفي برنامج تلفزيوني على القناة الرسمية الإيرانية، طُرحت التساؤلات علنًا. سأل المقدم مهدي فضائلي، مدير مكتب خامنئي، عما يشغل الإيرانيين: “الناس قلقون جدًا على المرشد”. لكنه لم يقدم إجابة حاسمة. واكتفى بالقول: “علينا جميعًا أن نصلي… المسؤولون عن حمايته يقومون بواجبهم”.

وفي هذا السياق، كشفت صحيفة “نيويورك تايمز”، نقلًا عن مسؤولين إيرانيين، أن التواصل مع خامنئي يومها بات بالغ الصعوبة، وأن الرسائل تُنقل إليه مكتوبة عبر أشخاص، فيما يتحصّن في مخبأ لا يحتوي على أي اتصال إلكتروني. هذا التفصيل، وإن بدا تقنيًا، يعكس مستوى القلق من الاختراق والتشويش والاستهداف السيبراني، ويكشف حجم التحوّل في أسلوب القيادة في أوقات الأزمات، على عكس مخبأ الأمين العام السابق لـ “حزب الله” حسن نصرالله الذي تم خرقه أمنيًا بعدما قضى أيامه الأخيرة داخله تحت الأرض وشُيّد بتقنية إيرانية وتحت أقصى درجات السرية، ولم يكن على علم به سوى عدد قليل من المقربين داخل “حزب الله”.

وتشير التقارير إلى أن خامنئي لا يُعزل سياسيًا حتى في أقسى السيناريوات، إذ أُعدّت شبكات اتصال محصّنة ومتعدّدة الطبقات تتيح له التواصل مع الحلقة الضيّقة للنظام: مجلس الأمن القومي، قيادة الحرس الثوري، ومكتب المرشد، إضافة إلى آليات قيادة بديلة تضمن استمرارية القرار في حال تعذّر التواصل المباشر. وأفادت التقارير بأن المرشد فوض إدارة الشؤون اليومية للدولة إلى نجله الأصغر مسعود خامنئي الذي بات يدير مكتب المرشد ويتولى دور حلقة الوصل الأساسية مع السلطة التنفيذية، في مستوى يعكس حجم القلق والتوتر داخل دوائر الحكم في طهران.

ما بعد سليماني

تؤكّد مصادر غربية أن هذه الترتيبات ليست وليدة اللحظة، بل خضعت لمراجعات عميقة بعد اغتيال قاسم سليماني، وما كشفه ذلك الحدث من هشاشة بعض أنماط القيادة التقليدية في لحظات الصدمة الأولى. ومن هنا، شكّل مخبأ المرشد وشبكة التواصل المرتبطة به نواة ما يمكن تسميته بـ “دولة الطوارئ” التي أعدّها النظام ليبقى فاعلًا حتى تحت القصف.

بين كُوّة الدبلوماسية وجدران الإسمنت

هكذا، يتحوّل السؤال عن مكان اختباء خامنئي إلى سؤال عن طبيعة المرحلة نفسها. مرحلة تُدار فيها المفاوضات فوق الأرض، بينما تُبنى حسابات البقاء تحتها. وبين كُوّة دبلوماسية لم تتسع بعد، وجدران إسمنتية سميكة أُعدّت للأسوأ، تواصل طهران السير على حافة الحرب الضروس.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى