كتب منير الربيع في “المدن”:
منذ اللحظة التي أعلن فيها الرئيس الأميركي دونالد ترامب التوصل إلى اتفاق على وقف إطلاق النار بين حزب الله وإسرائيل، طُرحت تساؤلات كثيرة حول خلفيات التوصل إلى هذا الاتفاق، ومداه، ومدى ثباته وشموله للأراضي اللبنانية بشكل كامل. ما يتأكد هو أن جملة من العوامل تداخلت، وفرضت على ترامب زيادة منسوب الضغط على بنيامين نتنياهو لإجباره على وقف استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت، وفتح مسار جديد يتعلق بالبحث في كيفية الانتقال تدريجيّاً إلى وقف كامل لإطلاق النار. وقد تلقف لبنان هذا الموقف بإيجابية، وأراد المراكمة عليه في الجولة الرابعة من المفاوضات التي عُقدت في الخارجية الأميركية، واشترط فيها تثبيت وقف النار. وقد حصل تواصل بين رئيس الجمهورية جوزاف عون وحزب الله، طلب منه خلاله إعطاء فرصة للتهدئة ولإنضاج هذه المساعي.
استعادة تفاهم نيسان
في المقابل، بدت إسرائيل رافضة لما أعلنه ترامب، لكن لم يكن لدى نتنياهو قدرة على معارضته. فأحجم عن استهداف بيروت، لكنه أعلن بشكل صريح استمرار العمليات العسكرية في جنوب لبنان. كما كشف الإسرائيليون أن المعادلة التي توصلوا إليها هي عدم استهداف حزب الله للمستوطنات الإسرائيلية مقابل عدم استهداف الضاحية، وأن تل أبيب حصلت من ترامب على موافقة بأنه، في حال ضرب حزب الله أي مستوطنة، فسيستهدفون عندها الضاحية الجنوبية لبيروت.
هذه الصيغة الإسرائيلية، ومواصلة العمليات في الجنوب، تعنيان كأنهما محاولة للعودة إلى ما يشبه تفاهم نيسان 1996. ففي ذلك التفاهم، أوقف الإسرائيليون عملياتهم وغاراتهم الجوية التي استهدفوا فيها مختلف المناطق اللبنانية، لكنهم بقوا في الجنوب المحتل، وبقي حزب الله واستمر بعمليات المقاومة. وفي حينها، تضمن التفاهم بنداً واضحاً ينص على أنه لا يحق لإسرائيل استهداف مرافق مدنية أو مدنيين، كما يضمن لحزب الله الاحتفاظ بحق الرد على أي اعتداء.
اليوم، ما يسعى إليه الإسرائيليون مغاير تماماً، فهم يريدون حرية الحركة ومنع الحزب من تنفيذ أي عملية ضدهم. أما حزب الله، الذي كان يرفض تكريس تحييد الضاحية مقابل عدم استهداف المستوطنات الشمالية على أن تستمر إسرائيل بحربها على الجنوب، فيبدو أن ما سيحصل سيكون نتيجة طبيعية للأحداث، إذ ستنحصر العمليات العسكرية بين الطرفين في جنوب لبنان، إذا لم تنجح المساعي والمحاولات لتثبيت وقف إطلاق نار كامل وشامل.
دوافع ترامب في 3 مسارات
من العوامل التي دفعت ترامب إلى إجبار إسرائيل على هذا المسار تمسكه بالوصول إلى اتفاق مع إيران. وهنا تحركت ثلاثة مسارات.
المسار الأول كان مسار الدولة اللبنانية، التي واصلت الاتصالات مع الأميركيين للوصول إلى منع استهداف الضاحية، والمطالبة بتحقيق نتيجة من المفاوضات تتمثل في الوقف الكامل لإطلاق النار. ومن بين ما طلبه اللبنانيون من الأميركيين أن تخرج المفاوضات بنتيجة، لا أن يكون التفاوض لأجل التفاوض. كما أن استمرار المفاوضات من دون تحقيق نتائج لن يؤدي إلى تقوية الدولة، بل سيؤدي إلى تعزيز وجهة نظر حزب الله.
المسار الثاني كان المسار العربي، وتضافر جهود السعودية وقطر ومصر من أجل مساعدة لبنان لدى الأميركيين لخفض التصعيد، والحفاظ على الاستقرار الداخلي اللبناني خوفاً من أي انفجار، إضافة إلى الحفاظ على الكيانية اللبنانية في ظل التهديدات البنيوية التي تتسبب بها الحرب الإسرائيلية، واستمرار عمليات التقدم والتوغل والقضم.
أما المسار الثالث، فهو مسار إيران وأميركا. إذ أبلغ الإيرانيون الأميركيين، عبر باكستان، بشكل واضح، أنهم سيوقفون كل أشكال التفاوض وتبادل الرسائل في حال واصلت إسرائيل تصعيدها في لبنان، وأنه في حال استهدف الإسرائيليون الضاحية الجنوبية لبيروت، فستنخرط طهران في الحرب وتساند الحزب. ووفق الإيرانيين، كان ذلك سيدفع الأميركيين إلى الانخراط في الحرب مجدداً إلى جانب إسرائيل، وهذا ما لا يريده ترامب، خصوصاً أن القناعة الإيرانية مترسخة بأن ترامب يريد الاتفاق ويرفض العودة إلى القتال.
تصوّر لما بعد الحرب
جانب من المسار العربي، الذي دخلت قطر بقوة على خطه بالتنسيق مع السعودية ومصر، يتمثل في العمل على تقديم تصور شامل لوقف الحرب، وللمرحلة التي تليها؛ أي ما يتصل بمعالجة الملفات السياسية العالقة، ولا سيما ملف السلاح، إضافة إلى انسحاب إسرائيل من الجنوب، وإعادة الإعمار لإعادة الأهالي إلى أراضيهم ومناطقهم. خصوصاً أن هناك موقفاً عربيّاً كاملاً يصر على الحفاظ على الجغرافيا اللبنانية، وسيادة لبنان على كامل أراضيه، وعدم الاعتراف بالخط الأصفر أو بأي منطقة أمنية أو عازلة يريدها الإسرائيليون.
بالاستناد إلى كل هذه المواقف، دخل الوفد اللبناني جولة التفاوض الرابعة مقترحاً ضرورة وقف إطلاق النار وتثبيته، بدءاً من تثبيت عدم استهداف الضاحية الجنوبية، على أن يتدرج خفض التصعيد ليشمل الأراضي اللبنانية كلها. ومن بين الأفكار التي طرحها لبنان تحديد جدول زمني للانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان، على أن يجري هذا الانسحاب خلال مهلة ستين يوماً، في محاكاة لما اتُّفق عليه في اتفاق 27 تشرين الثاني 2024، وهو ما لم يلتزم به الإسرائيليون، ولكن الآن بشرط أن تكون هناك جهات ضامنة لتطبيق الاتفاق، خصوصاً الأميركيين والدول العربية، ولا سيما السعودية وقطر ومصر.
ومن بين ما يجري اقتراحه انسحاب حزب الله بالكامل من جنوب الليطاني، مع تفكيك كل بنيته العسكرية هناك، وانتشار الجيش اللبناني مع اليونيفيل، والسيطرة الكاملة على الأراضي اللبنانية. على أن تُحدَّد منطقة جغرافية تحتلها إسرائيل، فتنسحب منها ليدخل إليها الجيش ويعمل على سحب السلاح منها. أما منطقة شمال الليطاني، فيُعمل على وضع خطة لسحب السلاح منها، على أن تكون خطة متفاهماً عليها إقليميّاً ودوليّاً، وتعمل على رعايتها الدول العربية مع إيران، على قاعدة البدء باحتواء السلاح وصولاً إلى حصره بالكامل بيد الدولة اللبنانية.
قطر: الوساطة والضمانات
وهنا لا تنفصل زيارة المعاون السياسي للرئيس نبيه برّي، علي حسن خليل، إلى الدوحة عن هذا المسار، لا سيما أن إيران وأميركا والثنائي الشيعي يريدون دوراً للدول العربية. وبما أن قطر لديها صلات مميزة مع مختلف القوى، فهي مؤهلة للعب هذا الدور، وهي التي كانت قد ساهمت بفعالية في الاتصالات مع الأميركيين لوقف استهداف الضاحية. وقد كانت الدوحة أول من تبلغ بإلغاء إسرائيل ضربتها المقررة على الضاحية ظهر يوم الاثنين، كما أن التحرك القطري يرتبط بتنسيق مع السعودية ومع فرنسا أيضاً.
لكن الشكوك تبقى قائمة حول نتنياهو وما سيقرره، وما إذا كان ترامب سينجح في إجباره على ذلك، أم أن لبنان سيبقى ساحة صراع إيراني أميركي.
