حققت مفاوضات سدّ النهضة بين مصر والسودان واثيوبيا انجازات ضخمة منذ بدأت قبل ثلاثة أشهر. فالأطراف عانوا من صعوبة شديدة في التفاهم على تشغيل السدّ في اثيوبيا من دون الحاق الضرر بدول المصبّ خصوصاً مصر، فيما تعتبر مصر أن تدفق مياه النيل "مسألة وجودية" ولا تستطيع أن تقبل بالأمر الواقع "الاثيوبي" أي ملء السدّ وحرمانها من المياه الضرورية لها.
انجاز أميركي
حاول أطراف "القضية" حتى الصيف الماضي حل الأزمة، لكنهم فشلوا، فأتت المساعي الأميركية.
وهنا كمن الإنجاز الاميركي الأول في جعل الاطراف يعملون تحت رعاية الولايات المتحدة وبمشاركة البنك الدولي، والانجاز الثاني وضع الأميركيين مع الأطراف المعنية جدول للتوصل إلى اتفاق نهائي.
فقد تخطى الأطراف بمساعدة الاميركيين والبنك الدولي الحاجز الأهم، عندما أقرّوا "ملء سدّ النضة الى ارتفاع 595 متراً عن سطح البحر في الدفعة الاولى، كما أقرّوا أن ملء السدّ لن يتسبب بضرر لدول المصبّ."
توقيع في نهاية فبراير
أما الآن فيعمل الأميركيون مع الأطراف على انهاء "الاتفاقات التقنية". وبحسب أكثر من مصدر دبلوماسي في واشنطن، ربما يتمّ توقيع الاتفاق مع الرئيس الاميركي دونالد ترمب بنهاية شهر فبراير الحالي وبحضور رئيس مصر عبدالفتاح السيسي، ورئيس رئيس مجلس السيادة الانتقالي في السودان عبد الفتاح البرهان، ورئيس وزراء اثيوبيا أبيي أحمد.
المفاوضات الصعبة
وبالعودة إلى كواليس الاجتماعات والمشاورات، فقد عقد المفاوضون اجتماعاتهم في مبنى وزارة الخزانة الاميركية وكانت الجولة الأخيرة هي الأطول حتى الآن، فهي لم تكن على الجدول أصلاً، لكن التأخير في التوصل الى الاتفاقات التقنية أجبر المفاوضين على العودة الى واشنطن، وبدأوا جولة اضافية يوم 28 يناير، وكان من المقرر أن ينهوا اجتماعاتهم في اليوم التالي أي 29 يناير، لكنهم استمروا حتى يوم 30 يناير، وذكرت مصادر المفاوضين للعربية.نت أن الاطراف جلسوا حتى الساعة الأولى من فجر يوم 31 يناير.
وفي الصباح أعلن البيت الابيض أن الرئيس الاميركي اتصل برئيس وزراء اثيوبيا أبيي أحمد، وقال إنه متفائل بالتوصل الى اتفاق حول سدّ النهضة وإن الاتفاق سيكون مفيداً لجميع الاطراف.
من جولة مفاوضات سد النهضةتشدد إثيوبي
إلى ذلك، قال مصدر قريب من المفاوضين للعربية.نت ان الطرف الاثيوبي كان يعرقل المفاوضات، ويتشدّد في مواقفه ويغلق الباب أمام أي ليونة من الأطراف، بالإضافة إلى ذلك، كان المفاوضون الاثيوبيون عند التوصل الى تفاهمات بين المجتمعين من رؤساء الوفود، يتحججون بأنه من الضروري العودة الى رئيس وزراء اثيوبيا ويجب السفر الى اديس ابابا.
حتى أن وزير الخزانة الأميركية ستيفن مينوشن، قال مرة للمفاوض الاثيوبي، بحسب ما قال مصدر في واشنطن للعربية.نت "إنه لا يجب الانتظار حتى يذهب الأطراف الى بلادهم ثم العودة، ولو أرادوا التشاور مع أبيي أحمد فما عليهم إلا استعمال الهاتف في الغرفة المجاورة."
أما عندما وصلت المفاوضات ليل 30 – 31 يناير إلى تفاهمات، وتأخر الطرف الاثيوبي في إقرار التفاصيل المتعلقة بملء السدّ على مراحل وآليات التعامل مع حالات الجفاف أثناء الملء والتشغيل، فقد أبلغت وزارة الخزانة البيت الابيض بما حصل، حينها تدخّل الرئيس الاميركي من خلال الاتصال الهاتفي مع رئيس وزراء اثيوبيا.
على هامش مباحثات واشنطن بين مصر وأثيوبيا حول سد النهضةترمب ووزير الخزانة
يشار إلى أن الرئيس الأميركي أثبت مرات عديدة خلال تلك المفاوضات أنه منخرط فيها بالعمق، فهو استقبل الوفود المشاركة في البيت الابيض مرتين، المرة الاولى في نوفمبر عندما اتفقوا على جدول مفاوضات في العاصمة الاميركية، والمرة الثانية عندما اتفقوا على ملء السدّ حتى ارتفاع 595 متراً وحفظ دول المصب من اضرار التعبئة. في حين كانت المرة الثالثة عندما وصلت المفاوضات يوم 31 يناير الى عنق الزجاجة واتصل ترامب برئيس وزراء اثيوبيا.
كما أن الشخص الآخر الذي لفت الأنظار خلال مسيرة المفاوضات الأخيرة تلك، فهو ستيفن مينوشين، وزير الخزانة الاميركي الذي أدار المفاوضات بين الأطراف.
وتعليقاً على تلك النقطة بالذات، قالت مصادر قريبة من المفاوضين إنهم "يستغربون، باعجاب، قدرته اولاً على استيعاب الملف حال تكليف الرئيس ترمب له بذلك، خصوصاً أن الملف يتعلّق بقضايا ليست اصلاً من اختصاصه المالي بل بقضايا المياه وتوزيعها عبر الحدود، ثانياً أن الأمر شائك ويتعلّق بسيادة الدول وبقضايا تهدّد أمن ملايين الناس ويعتبرها الاطراف قضايا سيادية ووجودية. "
صدفة على هامش لقاء ترمب والسيسي
ولعل من المفارقات الأغرب أن وزير الخزانة الاميركي وقع على هذا الملف صدفة، فهو كان في الغرفة خلال اجتماع الرئيس الاميركي دونالد ترمب بالرئيس المصري عبدالفتاح السيسي على هامش قمة الدول الصناعية السبع في بياريتز الفرنسية.
ونقل أحد الشهود أن الرئيس المصري طلب من الرئيس الاميركي التدخّل في الملف، فالتفت ترمب إلى يساره حيث يجلس الوفد الأميركي المرافق، وكان ستيفن مينوشن جالساً، فسأله الرئيس الأميركي إن كان يستطيع أخذ الملف على عاتقه، فوافق.
ترمب والسيسي من قمة السبعالمشهد الأخير
يقترب الاطراف الآن من المشهد الأخير للمفاوضات، فقد أكد الوفد المصري في بيان انه وقّع على مسوّدة اتفاق وضعه الاميركيون، وينتظر الجميع أن يعود الوزراء للاجتماع منتصف الشهر الى واشنطن لإنهاء المفاوضات، وهذا ما تريده واشنطن، فبرأي هذه الادارة ان البدائل عن التوصل الى اتفاق هو تهديد للأمن والاستقرار في منطقة شاسعة وحيوية يعيش فيها يعيش 250 مليون انسان، وتريد ادارة ترمب تفادي أي نزاع واستباق وقوعه وليس انتظار الانفجار لمعالجته.