Advertisement
ومع تكرار هذه الحالات خلال الأسابيع الأخيرة، برزت تساؤلات حول سلامة مياه بعض المسابح في لبنان، ومدى التزامها بالمعايير الصحية، وهل يمكن أن تتحول المياه التي يفترض أن تكون وسيلة للترفيه إلى بيئة تنقل الأمراض؟
في حديث لـ"لبنان 24"، يؤكد طبيب في الصحة العامة أن الربط بين ارتياد المسبح والإصابة بالإسهال أو آلام البطن لا يمكن تعميمه على كل الحالات، إذ قد تكون لهذه الأعراض أسباب أخرى، إلا أن هذا الاحتمال يبقى قائمًا عندما تكون مياه المسبح ملوثة، أو عند وجود خلل في عمليات التعقيم والفلترة، أو في حال غياب الرقابة الصحية الدورية.
ويشرح الطبيب أن أكثر طرق انتقال العدوى شيوعًا تتمثل في ابتلاع كمية صغيرة جدًا من مياه المسبح، إذ قد تحمل هذه المياه كائنات دقيقة لا تُرى بالعين المجردة، لكنها قادرة على التسبب بالتهابات معوية حادة. ويُعد الإسهال أكثر الأمراض المرتبطة بالسباحة في المسابح الملوثة، إذ تكفي كمية ضئيلة من المياه الملوثة لنقل العدوى. وتشير الدراسات إلى أن الجراثيم قد تنتقل إلى المياه عبر أشخاص مصابين بالإسهال أو نتيجة تلوث برازي أو ضعف في إجراءات التعقيم.
ويوضح الطبيب أن فترة ظهور الأعراض تختلف باختلاف نوع الميكروب، فقد تبدأ خلال ساعات قليلة من السباحة، وقد تتأخر ليوم أو عدة أيام. وتشمل الأعراض الأكثر شيوعًا آلامًا وتشنجات في البطن، وإسهالًا متكررًا، وغثيانًا، وتقيؤًا، وقد تترافق مع ارتفاع في درجة الحرارة. وينصح بمراجعة الطبيب إذا استمرت الأعراض لأكثر من يومين، أو ظهرت علامات الجفاف.
أي جراثيم قد تنتقل عبر مياه المسابح؟
ويشير الطبيب إلى أن الجراثيم والطفيليات المرتبطة بعدوى المسابح ليست موجودة بطبيعتها في كل المسابح، لكنها قد تدخل إلى المياه عند حدوث تلوث، سواء من شخص مصاب أو نتيجة ضعف إجراءات النظافة والتعقيم. ومن أبرزها:
-الإشريكية القولونية (Escherichia coli - E. coli): وجودها في المياه يُعد مؤشرًا على تلوث برازي، وقد تسبب الإسهال وآلام البطن.
-السالمونيلا (Salmonella): تسبب التهابًا في الجهاز الهضمي، يترافق مع الإسهال والحمى وآلام البطن.
-الشيغيلا (Shigella): تؤدي إلى التهاب الأمعاء، وقد تسبب إسهالًا شديدًا قد يكون مصحوبًا بالدم.
-النوروفيروس (Norovirus): من أكثر الفيروسات المسببة لالتهاب المعدة والأمعاء، ويتميز بسرعة انتقاله.
-الجيارديا (Giardia lamblia): طفيل يسبب إسهالًا قد يستمر أيامًا أو حتى أسابيع.
-الكريبتوسبوريديوم (Cryptosporidium): طفيل يُعد من أكثر مسببات تفشي الإسهال في المسابح، ويتميز بقدرته على مقاومة الكلور والبقاء حيًا في المياه لفترات طويلة.
ويضيف أن الإصابة لا تحدث لدى جميع مرتادي المسبح، بل تختلف من شخص إلى آخر بحسب كمية المياه التي ابتلعها، ونوع الميكروب الموجود، وقوة جهازه المناعي. ويُعد الأطفال، وكبار السن، والنساء الحوامل، والأشخاص الذين يعانون من أمراض مزمنة أو ضعف في المناعة، الأكثر عرضة للإصابة والمضاعفات، خصوصًا الجفاف الناتج عن الإسهال الشديد.
الكلور وحده لا يكفي
ويؤكد الطبيب أن الاعتقاد بأن وجود الكلور في مياه المسبح يعني خلوها من الجراثيم هو من أكثر المفاهيم الخاطئة شيوعًا. ففعالية الكلور تعتمد على الحفاظ على نسبه الموصى بها، وعلى درجة حموضة المياه، وكفاءة أنظمة الفلترة وتجديد المياه باستمرار.
ويشير إلى أن الكلور يقضي على معظم البكتيريا خلال فترة قصيرة عندما تكون المياه مطابقة للمعايير، إلا أن بعض الطفيليات، مثل الكريبتوسبوريديوم (Cryptosporidium)، تمتلك غلافًا واقيًا يجعلها أكثر مقاومة، ما يسمح لها بالبقاء في المياه لأيام عدة إذا لم تُطبق إجراءات التعقيم بالشكل الصحيح.
ويلفت الطبيب إلى أن تلوث المياه قد يحدث نتيجة دخول شخص مصاب بالإسهال إلى المسبح، أو بسبب عدم الاستحمام قبل السباحة، أو تغيير حفاضات الأطفال بالقرب من المياه، أو نتيجة خلل في أنظمة الفلترة والتعقيم، أو بسبب عدم مراقبة مستوى الكلور ودرجة الحموضة بصورة منتظمة. ويكفي انتقال كميات مجهرية من الفضلات إلى المياه حتى تنتقل الجراثيم إلى عدد كبير من السباحين.
ويؤكد الطبيب أن سلامة المسابح لا تتحقق بمجرد إضافة الكلور، بل تحتاج إلى منظومة متكاملة تشمل إجراء فحوص مخبرية دورية للمياه، ومراقبة مستوى الكلور ودرجة الحموضة أكثر من مرة يوميًا، والتأكد من كفاءة أنظمة الفلترة، وتنظيف المرافق الصحية وغرف تبديل الملابس بصورة مستمرة، ومنع أي شخص يعاني مرض معدٍ من استخدام المسبح.
كما يشير إلى أن المسابح الملتزمة بالمعايير الصحية يفترض أن تحتفظ بسجل يومي يتضمن نتائج قياس مستوى الكلور ودرجة الحموضة، وأعمال الصيانة، وتشغيل أنظمة الفلترة، بما يتيح للجهات الرقابية التأكد من الالتزام بالشروط الصحية.
ويشدد الطبيب على أهمية تكثيف الرقابة من قبل الجهات الرسمية، عبر سحب عينات من المياه وإخضاعها لفحوص جرثومية دورية، والتأكد من مطابقة المسابح للمعايير الصحية، واتخاذ إجراءات فورية بحق أي مسبح يثبت أنه يشكل خطرًا على الصحة العامة. كما توصي منظمة الصحة العالمية باعتماد خطط لإدارة سلامة المياه الترفيهية، ترتكز على المراقبة المستمرة، وتقييم المخاطر، والإبلاغ السريع عن أي تلوث قد يهدد صحة المواطنين.
وفي المقابل، يدعو الطبيب المواطنين إلى الانتباه إلى نظافة المسبح ومرافقه قبل السباحة، وتجنب ابتلاع المياه، والاستحمام قبل النزول إلى المسبح وبعد الخروج منه، وعدم استخدامه عند الإصابة بالإسهال، لأن تصرفًا فرديًا بسيطًا قد يكون كافيًا لنقل العدوى إلى عشرات الأشخاص.
ويختم الطبيب بالتأكيد أن ارتياد المسابح لا يشكل خطرًا بحد ذاته، بل إن الخطر الحقيقي يكمن في غياب الالتزام بالمعايير الصحية. فالمسبح الذي يخضع للصيانة والرقابة الدورية يبقى مكانًا آمنًا للترفيه، في ما قد يؤدي أي خلل في التعقيم أو النظافة إلى تحويله إلى بيئة مناسبة لانتقال الأمراض.
