كتب مايز عبيد في “نداء الوطن”:
تتكرّر في الأيام الأخيرة ظاهرة خطيرة تتمثل بتداول “أوامر إخلاء” مزعومة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تطول مناطق في الشمال اللبناني، من المنية إلى عكار وطرابلس والكورة، وتُنسب زورًا إلى جهات عسكرية إسرائيلية، تطلب إخلاء مناطق أو مبانٍ تمهيدًا لقصفها لكونها تحوي عناصر من “حزب الله”.
هذه الأخبار، التي تبيّن في أكثر من حالة أنها مفبركة بالكامل، لا تمرّ مرور الكرام، بل تترك أثرًا مباشرًا على الأرض، وتدفع المواطنين إلى حالة من القلق والارتباك.
آخر هذه الوقائع سُجّل قبل يومين، حين انتشر على نطاق واسع خبر منسوب إلى المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي، يفيد بتهديد قرى في منطقة الدريب في عكار عبر منشور على منصة X. خلال ساعات، تحوّل الخبر إلى مادة هلع بين الأهالي، خصوصًا في ظل حساسية المرحلة الأمنية في المنطقة. إلا أن التدقيق السريع أظهر أن الحساب المعني لم ينشر أي تهديد من هذا النوع، وأن الصورة المتداولة مركّبة ولا تمت إلى الواقع بصلة.
هذه الحوادث ليست معزولة. فمع تصاعد التوترات في ظل الحرب الدائرة، باتت الشائعات الرقمية جزءًا من “حرب نفسية” موازية، تستهدف الجبهة الداخلية عبر بث الخوف وزعزعة الاستقرار الاجتماعي. ويبدو الشمال، بما يعانيه من هشاشة اقتصادية وموجات النزوح الواسعة، بيئة خصبة لانتشار هذا النوع من الأخبار، حيث تنتقل المعلومة بسرعة تفوق قدرة التحقق منها.
الخطورة لا تكمن فقط في مضمون الشائعة، بل في توقيتها وانتشارها. فمجرد تداول مثل هكذا شائعات، فإن ذلك كفيلٌ بإرباك عشرات العائلات، في مناطق لا تزال إلى الآن بعيدة عن كل أشكال الاستهداف. هذا الأمر يؤدي إلى تعطيل الأعمال اليومية، وزرع الخوف والهلع في نفوس الأهالي، وقد يؤدي إلى اتخاذ قرارات متسرّعة بحق النازحين أنفسهم.
في المقابل، يطرح هذا الواقع تحديًا مزدوجًا: من جهة، مسؤولية الجهات الرسمية في إصدار توضيحات سريعة وشفافة لقطع الطريق أمام الشائعات، ومن جهة أخرى، دور المواطنين ووسائل الإعلام في التحقق قبل النشر. فالمعركة اليوم لم تعد فقط على الأرض، بل أيضًا على وعي الناس.
أين الأجهزة الأمنية؟
ولا يقلّ أهمية عن ذلك، ضرورة أن تتحرّك القوى الأمنية بحزم لملاحقة مطلقي هذه الشائعات ومروّجيها، لما تسببه من تهديد مباشر للاستقرار والسلم الأهلي. فالناس في الشمال، في ظل الأزمات المتراكمة، لم تعد تحتمل مزيدًا من الخوف المصطنع أو الفوضى المفتعلة، وأي تهاون في هذا الملف سيُفسَّر كتشجيع ضمني على التمادي في استهداف أمنهم النفسي واليومي.