كتب أنطوان مراد في “نداء الوطن”:
من الواضح أن ثقافة تحويل الموت المجاني إلى شهادة والانكسار إلى انتصار، تطغى على ما عداها من اعتبارات العقل والمنطق لدى “حزب الله” ومحور الممانعة، وهو ما يجعل من الصعب جدًا التعامل مع “الحزب” وإقناعه بالكف عن الانتحار وخوض الحروب العبثية والكارثية، لدرجة أن مقولة “الانتصار ولو بقي واحد منا يقاتل” يضعونها في خانة العزة والكرامة.
وهذا الواقع لا يخيف الآخر بقدر ما يثير الخوف والأسى على بيئة “الحزب” التي لا تملك الأدوات اللازمة لإعمال الفكر، بل تمثل نموذجًا بدائيًا بردات الفعل التلقائية التي لا علاقة لها بالمنطق، بقدر ما لها علاقة بغسل جماعي للأدمغة وتربية متأصلة على تقديس الموت والألم من دون التوقف عند حيثياته وتبعاته الفعلية. وهو ما يستدعي الاستغراب الشديد لدى مرجعية روحية مسيحية تلفت إلى أن للشهادة شروطًا وهوامش كي تثمر عدالة وسلامًا، بدلًا من أن تستتبع المزيد من الموت والخراب.
ومن هنا، يمكن فهم المعاندة التي يبديها “حزب الله” مصرًّا على نفي الخسائر والنكبات ليحوّلها إلى مدعاة للاعتزاز والاحتفال، مثبتًا أن العالم بأسره في مكان بينما “الحزب” بخلفيته الإيرانية والدينية في مكان آخر. ولذلك، لم ولن يتوانى “الحزب” عن تجربة مختلف أنواع المحاولات للخروج من المأزق الذي يعاني، ولو تمثل الأمر بالارتداد على الداخل اللبناني، لأن ما يهمه هما أمران أساسيان: خدمة الأجندة الإيرانية تحت لواء الولي الفقيه وبقيادة الحرس الثوري من جهة، والاحتفاظ بسلاحه كمصدر قوة واستقواءمن جهة ثانية. وبالتالي، فإن مقاومة إسرائيل هي الذريعة وليست الهدف كما أثبتت الوقائع المتراكمة. وتاريخ “الحزب” الانقلابي في هذا المجال حافل ودموي أحيانًا، من حصار السراي و7 أيار، مرورًا بالقمصان السود والتغيير القسري لنتائج استشارات التكليف بعد إسقاط الحكومة باستقالة الوزير “الوديعة”، إلى تهديد القضاء على خلفية انفجار مرفأ بيروت والهجوم الذي عُرف بغزوة عين الرمانة، وصولًا إلى ما يلتقي كثيرون على وصفه بمحاولة انقلابية كان يتم تدبيرها وأفشلتها الضربات والغارات العنيفة على العاصمة وسواها يوم الأربعاء ما قبل الماضي.
ومع ذلك، وبحسب معطيات عدة توافرت لدى مرجعيات سيادية، فإن “الحزب” يراهن على إطلاق عملية انقلابية لا تكون صاعقة وتتخذ شكل ضربة واحدة، بل تتدرج تصاعديًا على خطوط عدة لتفرض أمرًا واقعًا على الدولة وسائر اللبنانيين، ومن مفاصلها:
– شراء مستشرٍ أحيانا لشقق وعقارات عبر وكلاء أو شركات أو مكاتب لغايات سكنية غالبًا وتجارية أحيانًا، عبر التركيز على مناطق محاذية للضاحية والعاصمة ما أمكن على غرار الحازمية وبعبدا وسن الفيل وبرج حمود وفي مناطق أبعد تشمل بعض نواحي المتن وكسروان وقضاءي بعبدا وعاليه.
– انتشار ديموغرافي مدروس في هذه المناطق من خلال تعزيزه باستئجار شقق أو باستثمار محال وعقارات، ما يبرر عمليات التنقل بسهولة ولا سيما في سيارات مفيّمة أو مدنية عادية أو شاحنات صغيرة لتهريب أو نقل ما يمكن نقله من سلاح ولوجستية، مع الإفادة من المعلومات “القيّمة” التي يوفرها عمال الديليفري والفاليه باركينغ في مناطق عدة.
– إثارة البلبلة وافتعال الإشكالات التي تبدو بريئة ومحلية بوتيرة تصاعدية، مرفقة بتهديد ووعيد على أكثر من صعيد لتهشيل من يجب تهشيله أو لترهيبه ودفعه إلى مغادرة المنطقة أو الحي الذي يقطنه.
– نشر مدروس لطروحات تهويلية من قبل البيئة الحاضنة لـ “الحزب” وأحيانا كثيرة عبر المراهقين والنساء، وخلاصتها “أننا لن ننكسر مهما خسرنا من أرواح وإمكانات وأرض، بل سنرتد بعد مرور العاصفة عليكم يا من لا تؤمنون بالمقاومة وتذمّون بها وتعتبرونها مصدر خطر عليكم”. وهذا التهويل بحد ذاته يتردد بنسخة شبه موحدة في أماكن عدة تعج بالنازحين.
– أما ما لا يفصح عنه أهل الممانعة، فهو ما يحضرونه أمنيًا لجهة استبدال المناطق والبلدات المدمرة والمهجرة بمناطق وبلدات أخرى، عبر الاعتماد على انتشار خلايا أمنية سريعة الحركة في مناطق عدة مسيحية بشكل خاص، لفرض أمر واقع، علمًا أن تجربة “غزوة عين الرمانة” يجب أن تشكل أمثولة لـ “الحزب” بدلالاتها، وهي أن الجيش اللبناني ومنذ عقود عدة، يعتبر أن هناك منطقة أمنية لا يمكنه السماح بخرقها وتضم شرق العاصمة وضواحيها ومحيط القصر الجمهوري وبعبدا وقيادة الجيش والثكنات العسكرية في اليرزة والريحانية…، كخط دفاع أول، امتدادًا إلى عمق المتن وكسروان وجبيل والشمال، وهي مناطق تشكل عمقًا استراتيجيًاا لا يمكن لـ “حزب الله” التحكم به، فضلًا عن أن الوحدات القتالية العسكرية الفعلية والتي تمثل النخبة شديدة الولاء للدولة والقيادة وتمتلك قدرات نوعية كبيرة.
على أن الملفت أن البيئة المسيحية بات يسودها شبه إجماع على رفض الظاهرة العسكرية لـ “الحزب”، في وقت أبدت قوى سيادية استعدادها لمواجهة شتى الاحتمالات بالوسائل الشرعية والمشروعة خلف الدولة وقواها الأمنية، بينما باتت البيئة السنية، ولأول مرة منذ زمن طويل، تعبّر ميدانيًا بشكل أوضح عن حالة اعتراضية متصاعدة. أما شيعيًا، فإن المناخ العام يوحي بتبرم ملحوظ لدى العائلات الشيعية العريقة والأصيلة في العاصمة وفي الضاحية الجنوبية، بينما يلاحظ أن العديد من أهالي منطقة جبيل وفتوح كسروان من الشيعة تمايزوا هذه المرة في التحفظ على استقبال غير مدروس للنازحين من المناطق الأخرى، ولا يوفر كثيرون منهم التعبير عن حرصهم على العيش المشترك السوي وتجنب المزيد من المعاناة.