الدولة تنتصر بالمفاوضات و”الحزب” يقاتل حتى الانتحار

الدولة تنتصر بالمفاوضات و”الحزب” يقاتل حتى الانتحار
الدولة تنتصر بالمفاوضات و”الحزب” يقاتل حتى الانتحار

كتب ألان سركيس في “نداء الوطن”:

لم تنقطع الاتصالات التي يقودها رئيس الجمهورية جوزاف عون منذ أسابيع. وارتفعت وتيرتها خلال الأيام الأخيرة بالتزامن مع المخاوف من انهيار التهدئة وعودة التصعيد الإسرائيلي إلى مستويات أعلى. وتركز الجزء الأكبر من هذه الاتصالات على تثبيت وقف إطلاق النار ومنع انتقال المواجهة إلى مرحلة جديدة. وبرز في جولة المفاوضات حصول لبنان على وقف إطلاق النار مقابل انسحاب “حزب الله” في جنوب الليطاني، والقيام بخطوات عملية من قبل الدولة، لكن الشيخ نعيم قاسم سارع إلى الرفض والتأكيد على استمرار القتال.

شملت جولة الاتصالات الأخيرة التي سبقت ورافقت المفاوضات التي حصلت في 2 و3 حزيران تواصلا مع الجهات الدولية المعنية بالملف اللبناني. وكان الهدف اللبناني واضحًا، وهو تثبيت وقف إطلاق النار ومنع توسيع دائرة المواجهة. في المقابل، تكشف أوساط مواكبة للمفاوضات أن إسرائيل تمسكت بربط أي ترتيبات طويلة الأمد بملف سلاح “حزب الله”، معتبرة أن معالجة هذا الملف تشكل المدخل الأساسي لأي استقرار دائم على الحدود.

وبعدما كانت الأجواء سلبية، تبدّلت بعد الجولة الثانية من المفاوضات، وخرج بيان مشترك بين الولايات المتحدة ولبنان وإسرائيل، حيث تم التأكيد على تنفيذ وقف لإطلاق النار مشروط بوقف كامل لإطلاق النار من جانب “حزب الله”، وبإخلاء جميع عناصره من قطاع جنوب الليطاني. كما اتفق الجانبان، بتوجيه من الولايات المتحدة، على المضي قدمًا وبسرعة نحو إنشاء “مناطق تجريبية” يتولى فيها الجيش اللبناني السيطرة الحصرية على الأراضي، مع استبعاد الجهات الفاعلة غير الحكومية منها.

وبالفعل، بدأ أمس تنفيذ الاتفاق، حيث باشر الجيش الإسرائيلي الانسحاب من دبين وبلاط ومناطق أخرى ليحل مكانه الجيش اللبناني، مع العلم أن الوفدين ناقشا إطارًا أمنيًا، بناءً على المناقشات التي جرت في البنتاغون في 29 أيار، يهدف إلى ضمان سيادة لبنان وإسرائيل وأمنهما وسلامة أراضيهما بشكل مستدام. ويشمل تفكيك الجماعات المسلحة غير الحكومية، ومنع عودتها للظهور مجددًا.

هذا التطور الإيجابي عكسته تصريحات الرئيس عون بالأمس، حيث أشار إلى أن اتفاق اليوم مع إسرائيل مختلف عن اتفاق تشرين الثاني 2024، وسيكون مستدامًا، واقترحنا أن تشمل المنطقة التجريبية منطقة زوطر الغربية والشرقية وقلعة الشقيف، مشددًا على أنّ نتائج الجولة الرابعة من المفاوضات، والبيان الصادر عنها بما تضمّنه من نقاط مهمة جدًا لصالح لبنان، تشكّل الفرصة الأخيرة للدخول في وقف نهائي وشامل لإطلاق النار، على أن يتحمّل كل طرف المسؤولية في حال عدم التجاوب. وبالتالي، يكون عون قد وضع الجميع، وعلى رأسهم “حزب الله”، أمام مسؤولياتهم التاريخية.

وتؤكد المصادر أن رئيس الجمهورية تابع أدق تفاصيل المفاوضات والاتصالات، وكان على اطلاع مباشر على مجرياتها دقيقة بدقيقة، سواء عبر الوسطاء أو من خلال قنوات التواصل مع العواصم المؤثرة. وتعاملت الرئاسة اللبنانية مع هذه المرحلة باعتبارها محطة مفصلية ستحدد مسار المرحلة المقبلة سياسيًا وأمنيًا.

وتعتبر أوساط سياسية أن ما جرى أعاد تثبيت حقيقة باتت واضحة منذ انتهاء الحرب. فالدولة اللبنانية نجحت عبر القنوات الدبلوماسية في تحقيق نتائج ملموسة، فيما تراجعت فعالية الخيار العسكري الذي رفعه “حزب الله” لعقود باعتباره الضامن الوحيد لحماية لبنان.

وتلفت الأوساط إلى أن الحرب الأخيرة شكّلت محطة مفصلية. فـ”الحزب” خاض المواجهة بكل ما يملك من إمكانات عسكرية، لكنه لم يتمكن من وقف التقدم الإسرائيلي أو فرض وقائع ميدانية جديدة. كما لم ينجح في منع الضربات التي طاولت مناطق تُعدّ من صلب بيئته الأمنية والسياسية.

في المقابل، تمكنت الدولة، عبر الاتصالات السياسية والدبلوماسية والمفاوضات، من إعادة فتح قنوات التواصل مع الأطراف المؤثرة. وتؤكد مصادر مطلعة أن التحرك الرسمي اللبناني لعب دورًا أساسيًا في احتواء المخاطر التي كانت تهدد الضاحية الجنوبية خلال مراحل مختلفة من التصعيد، ويعمل لحماية كل لبنان من حرب لم تبادر هي إلى فتحها.

وفي هذا السياق، برزت الاتصالات الأميركية التي هدفت إلى منع توسع الاستهدافات باتجاه الضاحية الجنوبية. وعكس هذا التوجه دعمًا أميركيًا واضحًا للدولة اللبنانية ولمسار العهد الجديد، كما ينسجم مع مقاربة دولية تقوم على تعزيز دور المؤسسات الشرعية اللبنانية. وتنظر واشنطن إلى استقرار لبنان باعتباره جزءًا من إعادة رسم الواقع اللبناني بعيدًا من النفوذ الإيراني، حيث تؤكد واشنطن فصل لبنان عن مضيق هرمز والملف الإيراني.

ولا يقتصر تحييد الضاحية على البعد الأمني فقط، بل يحمل أيضًا أبعادًا سياسية تتصل بإعادة الإمساك بالملف اللبناني عبر الدولة. كما يندرج ضمن مسار أوسع يهدف إلى سحب ورقة الجنوب من دائرة النفوذ الإيراني ووضعها ضمن إطار التفاهمات الدولية والدور اللبناني الرسمي، ما يفسر حجم الاهتمام الذي حظي به هذا الملف خلال الاتصالات الأخيرة.

وتكشف أوساط متابعة للمفاوضات أن النقاشات التي دارت خلال الأيام الماضية لم تقتصر على تثبيت وقف إطلاق النار، بل تناولت أيضًا المرحلة المقبلة وآليات منع العودة إلى المواجهة. وتعتبر أن المجتمع الدولي بات يتعامل مع الدولة اللبنانية باعتبارها المرجعية الأساسية في أي ترتيبات أو تفاهمات مرتبطة بالوضع الأمني.

وتشير الوقائع الميدانية إلى تحول لافت في أولويات “حزب الله”. فبعد سنوات من رفع شعار حماية الجنوب وربط أي مواجهة بمعادلة الردع مع إسرائيل، بات التركيز الفعلي منصبًا على حماية الضاحية ومنع إدخالها مجددًا في دائرة الاستهداف الواسع. ولو كان “حزب الله” لا يزال قادرًا على فرض معادلة الردع التي تحدث عنها لسنوات، لكان سعى إلى تكريس معادلة الجنوب مقابل شمال إسرائيل. إلا أن الوقائع التي أفرزتها الحرب وما تلاها أظهرت معادلة مختلفة تمامًا. فالأولوية لم تعد الجنوب مقابل الشمال الإسرائيلي، بل الضاحية مقابل الشمال الإسرائيلي.

ويؤكد هذا التحول أنه ليس تفصيلا سياسيًا. فهو يعكس حجم التبدل الذي أصاب موازين القوى بعد الحرب الأخيرة، كما يكشف انتقال مركز الثقل من الميدان إلى التفاوض. وبينما تستمر الدولة في توظيف علاقاتها واتصالاتها لتثبيت الاستقرار، يجد “حزب الله” نفسه أمام واقع جديد تتراجع فيه قدرة السلاح على فرض المعادلات، فيما يتقدم دور الدولة كقناة إلزامية لأي تسوية أو تفاهم في المرحلة المقبلة.

كل هذا الانتصار لمنطق الدولة ومسار التفاوض لم يرقَ للميليشيا، ولم يتأخر الرد عبر لسان نعيم قاسم، إذ أشار إلى أننا لم نُعط التزامًا لأحد بعدم المقاومة، والرد على العدوان مستمر، وماضون في القتال، واتفاق واشنطن مذل ومرفوض، والأولى أن يتفاهم أبناء البلد في مواجهة العدوان أولا، ثم نعالج قضايانا بعد ذلك. وقال إن جعل الهدف الأساس نزع سلاح المقاومة منطلقًا لأي اتفاق يعني إعدام قوة لبنان، وتهديدًا وجوديًا بإبادة شعبه المقاوم، وهو إعلان لتخريب لبنان وعدم استقراره.

دلالات كثيرة يحملها رد قاسم، خصوصًا لجهة الاستمرار في القتال حتى تدمير الجنوب والضاحية، ورفضه مفاوضات الدولة ومحاولته إعادة ربط لبنان بمفاوضات إيران، لكن كل تلك المحاولات لن توصل إلى أي مكان وسط حسم الدولة أمرها بالمفاوضات، ودعم المجتمع العربي والدولي، وعدم قدرة إيران على التأثير في الساحة اللبنانية.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى