تحوّل نوعي في وزارة الشؤون: تمويل "أمان" من الموازنة العامة

تحوّل نوعي في وزارة الشؤون: تمويل "أمان" من الموازنة العامة
تحوّل نوعي في وزارة الشؤون: تمويل "أمان" من الموازنة العامة

في الأيّام الأولى التي تلت تعيينها في مركزها الوزاري، في شباط 2025، أعلنت وزيرة الشؤون الاجتماعيّة حنين السيّد هدفها الصريح جدًا: أن تقنع وزير الماليّة بزيادة الإنفاق على الحماية الاجتماعيّة. وأغلب الظن، كانت السيّد تدرك قدر الجرأة التي يحتاجها تصريحها هذا، في بلادٍ اعتادت -ومنذ بدء الأزمة الماليّة بالتحديد- على تباهي المسؤولين بالتقشّف كأولويّة في إدارة الماليّة العامّة، وعلى حساب جميع الأولويّات الأخرى. وفي مقابل التركيز السائد على تعظيم حصّة الدولة في تحمّل الخسائر المصرفيّة، كان هناك من يسأل عن مسؤوليّتها في تحمّل خسائر الفئات الأكثر هشاشة، وإن لم يكن هذا الخطاب رائجًا بشدّة بعد.

لكن يومها، وفي تبريرها لهذا التوجّه، أتقنت الوزيرة الجريئة المُحاججة. فاستعانت بمفهوم العقد الاجتماعي الذي يقوم عليه أي وطن. فالدولة، صاحبة السيادة، لا تستمد حضورها فقط من سلطة الإلزام القانوني التي تملكها على من يحمل صفة المواطنة. بل تستمدها كذلك مما تقدّمه هذه المواطنة من حقوق، في طليعتها الحماية الاجتماعيّة. وكانت تدرك أن إقناع وزير الماليّة بهذه الأولويّة يستلزم أيضاً إقناعه بأنّ "هذه البرامج فعّالة".

يوم أمس الثلاثاء، كانت السيّد تُعلن في مؤتمرها الصحفي استخدام الوزارة، للمرّة الأولى، الاعتمادات المرصودة من الموازنة العامّة، لتمويل برنامج "أمان"، بعد أن كان البرنامج محصوراً بما يصل من تمويل خارجي. ولهذا التطوّر تداعياته الماليّة والسياسيّة،على مستوى دور الدولة في تمويل شبكات الحماية الاجتماعيّة. لكن في جميع الحالات، نجحت السيّد في تحقيق هدفها المُعلن منذ اليوم الأوّل.

تمويل العقد الاجتماعي

منذ إطلاقه، كان برنامج "أمان"، المخصّص لمساعدة الأسر الأكثر حاجة، أحد مشاريع الدولة التي تعتمد فقط على الدعم الأجنبي. فكان نطاق البرنامج وفعاليّته يعتمدان بشكلٍ كامل على مدى توفّر هذا التمويل. 

وكانت استمراريّة البرنامج نفسها دائماً على المحك: فأي شحّ في مصادر التمويل، لأسباب قد ترتبط بالضغوط الماليّة لدى الجهات المانحة، كانت ستعني انقطاع المساعدات التي يوفّرها البرنامج. وكانت هذه الإشكاليّة تؤثّر في ثقة الجهات المانحة نفسها بالبرنامج، إذ بدا كأن الدولة اللبنانيّة لا تؤمن بأولويّات الاجتماعيّة إلّا بوصفها مصدراً لاستقدام التمويل الخارجي.

في موازنة العام 2026، وللمرّة الأولى، تم تخصيص 50 مليون دولار أميركي من الموازنة العامّة لتمويل برنامج "أمان". وكانت تلك المرّة الأولى التي يُرسل فيها لبنان إشارة إلى أنّ البلاد لم تعد تعتبر حماية الفئات الأكثر فقراً مسؤوليّة المانحين وحدهم، بل بات هناك التزام وطني بتمويل هذا النوع من البرامج. وقبل نحو أسبوع، كانت الوزارة تعلن أنّ الدولة حوّلت بالفعل أوّل رزمة من هذه الاعتمادات للمستفيدين منها، بقيمة تناهز 13.73 مليون دولار أميركي (أي ما يوازي 27.5 بالمئة من إجمالي الاعتمادات المخصّصة لتمويل "أمان" في الموازنة العامّة). 

غير أنّ ما يهم هنا، وفي ما يتّصل بالإنفاق على الحماية الاجتماعيّة، لا يقتصر على الجانب المتعلّق بتمويل برنامج "أمان". فاعتمادات برامج وزارة الشؤون الاجتماعيّة الإجماليّة نفسها شهدت عام 2026 زيادة بنسبة 40 بالمئة في الموازنة العامّة، ما جعلها صاحبة أعلى نسبة زيادة مقارنة بأبواب الإنفاق الأخرى. وهذا ما يُسجّل، بدوره، كتحوّل في حجم الإنفاق العام المخصّص لهذه الوزارة بالتحديد.

أهميّة هذا التحوّل

لم يحظَ هذا التطوّر، على أهميّته، بقدر كبير من المتابعة. ففتح اعتمادات مموّلة داخلياً لبرنامج "أمان" في الموازنة العامّة، وبمعزل عن حجم الاعتمادات، سيفتح الباب أمام تكريس حصّة لهذا البند من المال العام، تمامًا كحال سائر أبواب الإنفاق في الإدارات الرسميّة الأخرى. وسيكون من الممكن عندها ممارسة الضغط السياسي اللازم لزيادة هذه الحصّة تدريجاً، بعدما التزمت الدولة بدور ما في تمويل هذا البرنامج.

أمّا الأهم، فهو أن وزارة الماليّة كانت قد شرعت منذ ما قبل الحرب بإعداد الإطار المالي المتوسّط الأجل، الذي سيخطّط لإدارة النفقات العامّة على امتداد السنوات الخمس المقبلة. وعلى هذا الأساس، وبعد التزام الدولة بحصّة في تمويل هذا البرنامج، بات من الممكن إدراج النفقات المخصّصة للحماية الاجتماعيّة، من ضمن أبواب الإنفاق التي تخطّط الدولة لزيادتها، بموازاة الزيادة المرتقبة في حجم الإيرادات العامّة، والتي بدأت أساسًا بالنمو على امتداد العامين الماضيين (وحتّى الربع الأوّل من السنة الحاليّة). مع الإشارة إلى أن استكمال وضع هذا الإطار سيتم بمجرّد انتهاء مفاعيل الحرب القائمة، وهو ما سيسمح بإعادة تكوين الفرضيّات والتوقّعات الماليّة التي سيقوم عليها هذا التخطيط.

وإضافة إلى ذلك، بالنسبة للمانحين والداعمين الأجانب، سيؤشّر هذا التطوّر إلى التزام الدولة بدورها في تمويل شبكات الحماية الاجتماعيّة مستقبلاً، ما يعطي ثقة أكبر باستمراريّة هذه البرامج، وبعدم ارتباطها  بالمساعدات الخارجيّة. وهذا ما سيسمح بزيادة حجم المساعدات الممكن استقدامها من الخارج، لدعم نمو برامج الحماية الاجتماعيّة. 

ومن المهم التذكير هنا بأنّ جميع بيانات صندوق النقد الدولي العلنيّة، بما فيها الاتفاق على مستوى الموظفين المعقود عام 2022، كانت قد ذكّرت بأهميّة زيادة الانفاق الاجتماعي، ضمن الموازنة العامّة للدولة اللبنانيّة. وهذا ما يعني توفّر البيئة الخارجيّة المناسبة التي تسمح بالضغط المحلّي لزيادة الإنفاق على برامج الحماية الاجتماعيّة في المستقبل.

بطبيعة الحال، ما زال أمام لبنان الكثير ليحقّقه في هذا المجال. فالزيادة التدريجيّة في حجم الإيرادات العامّة التي يتم تحصيلها، والتي نتج عنها فوائض معتبرة، يجب أن تترجم بالمزيد من الإنفاق على الحماية الاجتماعيّة. وهذا ما يقتضي توفّر الدعم السياسي المناسب، للاستفادة من الخطوة الأولى التي تحقّقت على هذا الصعيد، عبر تخصيص اعتمادات لبرنامج "أمان".

المصدر: المدن

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى