قرار بابوي ينظم عزل البطاركة ويعزز التشاركية في الكنائس الشرقية

قرار بابوي ينظم عزل البطاركة ويعزز التشاركية في الكنائس الشرقية
قرار بابوي ينظم عزل البطاركة ويعزز التشاركية في الكنائس الشرقية

كتبت ديزي حوّاط في «نداء الوطن» أن البابا لاوون الرابع عشر منح صلاحية تاريخية لإجراء تعديل بنيوي في القانون الكنسي وهيكلية المؤسسة الكنسية، في خطوة تسدّ ثغرة قانونية طالما بقيت قائمة في «مجموعة قوانين الكنائس الشرقية».

فالقوانين لم تكن تتضمن إجراءً واضحًا للتعامل مع حالة وقوع ضرر جسيم أو قطيعة في الرابط بين البطريرك، بوصفه الأب والرأس، وسائر الأساقفة، في حال رفض البطريرك تقديم استقالته رغم طلب السينودس ذلك لسبب خطير يضرّ بالحياة الكنسية.

وجاء القانون الجديد لمعالجة هذا الفراغ. وبينما كان متوقعًا صدور معالجة للمسألة، فإن شكل القرار جاء على نحو غير متوقع، ما زاد من جرأة الخطوة ووقعها.

قرار يتجاوز إقالة البطريرك

يرى الأب الدكتور باسم الراعي، أستاذ الفلسفة السياسية والباحث المتخصص في اللاهوت السياسي، في مقابلة مع «نداء الوطن»، أن القرار «غير محصور بفكرة إقالة البطريرك فقط، بل هو أبعد من ذلك، لقيادة تشاركية في الجسم الأسقفي في الكنيسة الشرقية».

ويشرح الراعي أن أهمية القرار تكمن في بُعده الكنسي، إذ يتناول بعض الصعوبات التي تظهر في الكنائس الكاثوليكية الشرقية نتيجة سوء الفهم بين مجلس الأساقفة والبطاركة، وهي فجوة لم تكن معالجة، فجاء النص في هذا السياق.

ويشير إلى أن بُعدًا آخر زاد من وقع القرار، إذ كان المنتظر صدور قرار يتعلق بتحديد عمر الكرادلة، وكان متوقعًا أن يشمل البطاركة أيضًا عند بلوغ سن الثمانين. إلا أن «قرار صلاحية الإقالة» المفاجئ جاء في اتجاه آخر، ما أعطاه هذا الوقع.

آلية الإجراء الجديد

يبدأ الإجراء بطلب الاستقالة. فعند وجود سبب خطير ومعترف به، يحق للسينودس أن يطلب من البطريرك الاستقالة، باعتبارها خطوة أولى وأقل تصعيدًا.

وفي حال رفض البطريرك، يُطرح عزله عبر اقتراع سري يحتاج إلى موافقة ثلثي الأعضاء الذين يملكون حق التصويت، مع احتفاظ البطريرك بحقه الكامل في الدفاع عن نفسه.

ولا يصبح قرار العزل نافذًا إلا بعد موافقة الحبر الأعظم، وعندها يُعلن شغور السدة البطريركية. ويضع ذلك الفاتيكان في موقع الضامن لاستقلالية الأساقفة وحريتهم.

ويوافق البابا على العزل إذا ثبت له أن الخطوة هي الدواء الضروري والأخير لإنقاذ الكنيسة من شلل ما، على أن يبحث في كون القرار شرعيًا، واتُّخذ بنزاهة قانونية كاملة، وبمنأى عن أي ضغوط.

لا تغيير في صلاحيات البطريرك

لا يمسّ القرار بصلاحيات البطريرك داخل كنيسته أو بصلاحيات الأساقفة، كما أنه لا يتداخل مع التراتبية المعروفة في الكنيسة. لكنه يمثل تعديلًا محوريًا يعيد النظر في آلية العلاقة بين البطريرك والجسم الأسقفي.

ويقول الأب الراعي: «الإدارة ستبقى كما هي فيما يخص موقع الأساقفة بالنسبة إلى البطريرك والبطريرك بالنسبة إلى الأساقفة، ولن تمسّ بالتراتبية التي اعتدنا عليها في الكنيسة من حيث موقع البطريرك».

ويضع الراعي النص في سياق رغبة بدأت منذ البابا فرنسيس، ومنذ المجمع الفاتيكاني الثاني، في تعزيز قضية السينودوسية، التي يواصل البابا الحالي العمل عليها. ويقول إن الهدف هو «تعزيز التشاركية في قلب الكنيسة، ليكون الجسم كله مشاركًا في المسؤولية وإدارة الكنيسة»، مشددًا على أن «بهذا الإطار يجب أن نضع النص الفاتيكاني».

بين الإصلاح واحتمال سوء الاستخدام

يرى الراعي أن الكنيسة، ككل مؤسسة، قد يشوبها الفساد، وأن الكاهن ابن بيئته وقد يتأثر أو يتشبث بقرارات أو مواقف قد لا تخدم مصلحة الكنيسة العليا، ومن هنا يأتي مبدأ المشاركة في إدارة المؤسسة الكنسية.

وقد وضع المشرّع الكنسي النص ليكون ذا بُعد إصلاحي وتشاركي داخل إدارة الكنيسة، مع وجود تخوف من استغلاله، بحسب الراعي. وتعزيزًا لمبدأ انتخاب البطريرك «الديمقراطي»، الذي يأتي رأسًا وأبًا لكنيسته، تبرز الخطوة كوجه من أوجه الديمقراطية.

إلا أن الراعي يرى أن الآلية لم تكن واضحة، وقد تكون قابلة للاستغلال، معتبرًا أن الموضوع «ربما يحتاج إلى دراسة قانونية من خبراء قانونيين لمطابقة الآلية التنفيذية لنية النص»، بسبب وجود بعض الالتباس على صعيد التطبيق.

ويقول: «يجب فهم الروح العميقة لهذا النص، وإلا فمن الممكن أن يُستغل من أجل صراعات داخلية إذا ابتعد عن عمقه وما كانوا يشكون منه على صعيد العلاقة بين الأساقفة والبطريرك».

كما يلفت إلى أن التدخل قد يصنع فرقًا خلافًا للتقاليد الشرقية، مشيرًا إلى أن النص «حمّال تفسير» لدى الممارسة، إذ إن المشرّع يشرّع بعقل غربي لا يتماشى مع العقلية الشرقية.

انعكاس القرار على الكنائس اللبنانية

يشمل القرار كل الطوائف المسيحية الكاثوليكية التي تتبع روما، وهي الطائفة المارونية، والملكيون الكاثوليك، والطائفة الأرمنية الكاثوليكية، وطائفة السريان الكاثوليك، وطائفة الكلدان الكاثوليك، وطائفة اللاتين.

ومع ما اعتيد عليه من خصوصية واستقلالية لدى الموارنة خلافًا للطوائف الكاثوليكية الأخرى، يطرح شمول جميع الكنائس الشرقية بالقرار سؤالًا حول مدى انعكاسه على خصوصيات كل منها.

وفي هذا الإطار، يقول الراعي: «شمل كل الكنائس الشرقية بالمستوى نفسه بهذا القرار. أعتقد أنه يجب أن يكون بتأن أكبر وألّا يشمل كل الكنائس، لأن الكنائس الشرقية لم تُوجد كلّها بالطريقة نفسها، ومنها ما له اعتبارات تاريخية تختلف عن بعضها البعض، وبالتالي سينعكس على خصوصيات كل الكنائس».

ويضيف: «مجرّد شمول كل الكنائس، هذا أول تجاوز للخصوصية لهذه الكنائس، ونرى بالممارسة ومع الوقت مدى تأثير العلاقة بين السينودس والبطاركة».

ويشير إلى أن المسألة كانت معروضة منذ فترة، قائلًا: «لا أعلم إذا كان هذا الحل يوافق طبيعة الكنائس الشرقية، فالموضوع يحتاج إلى بعض الوقت لحسم الموضوع».

أما في ما يتعلق بكون القرار إصلاحيًا، فيقول الراعي: «مشكلتنا في الشرق تختلف، ومفهومنا عن فهم الغرب للقوانين يختلف».

ويشرح: «الشرق “شاطر” في التعامل مع القوانين، وروح التعاطي مع القوانين مختلفة لدى الغرب، وتعكس عقلانية أوسع في التعامل مع القوانين مما هي عليه في الشرق، والخطورة أن نلبس قميصًا مخيّطًا في الغرب بمنطق العقل الغربي، من دون أن نعلم إذا كان الغرب آخذًا بعين الاعتبار العقل والمنطق الشرقي».

صمت الكنيسة اللبنانية

حتى الآن، لم يصدر موقف عن الكنيسة اللبنانية تجاه القرار، رغم وقعه المجتمعي.

وفي تفسيره لهذا الصمت، يقول الراعي إن شبكة الإصلاح المرتبطة بمسألة السينودوسية «ابتدأت من الكنائس الغربية أيضًا، وليس فقط الشرقية»، مشيرًا إلى أن هناك «مروحة من التعديلات التي يفرضها مبدأ السينودوسية على كل الكنائس المتحدة مع روما».

ويرى أن القرار صدر حديثًا، ولم يتسنَّ للكنيسة بعد التمعّن في الموضوع وإجراء الاتصالات اللازمة لمعرفة حدوده وانعكاساته.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى