مساعٍ أميركية لإعادة بناء الثقة تمهيدًا للجولة الثامنة من مفاوضات لبنان وإسرائيل

مساعٍ أميركية لإعادة بناء الثقة تمهيدًا للجولة الثامنة من مفاوضات لبنان وإسرائيل
مساعٍ أميركية لإعادة بناء الثقة تمهيدًا للجولة الثامنة من مفاوضات لبنان وإسرائيل

كتب داود رمال في «نداء الوطن» أن المسار التفاوضي بين لبنان وإسرائيل دخل، بعد الجولة السابعة من المفاوضات المباشرة في روما بوساطة أميركية، مرحلة بالغة الدقة، في ظل صعوبات جعلت استئناف الحوار بصورته الطبيعية أمرًا غير يسير.

وفي هذا السياق، ركّز الجهد الأميركي، عبر السفير ميشال عيسى، على إعادة بناء الثقة بين المفاوضين اللبناني والإسرائيلي، انطلاقًا من أن العودة إلى طاولة التفاوض تتطلب خطوة عملية تمهّد لاستعادة المناخ المناسب للجولة الثامنة.

وتضمّن الاقتراح الأميركي أن تقدّم إسرائيل بادرة حسن نية في ملف الأسرى، تبدأ بالمدنيين، على ألا يقل عدد المفرج عنهم عن عشرة أسرى، لتكون مدخلًا إلى استئناف المفاوضات في روما. وقد أسفرت تحركات السفير عيسى، الذي زار إسرائيل والتقى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، عن الإفراج عن دفعة أولى من خمسة أسرى.

ورُبطت هذه الخطوة أيضًا بمساعٍ لبنانية جدية وملموسة لكشف رفات عدد من اليهود الذين فُقدوا في لبنان إبّان الحرب اللبنانية، بما يحمله ذلك من بعد تفاوضي باعتباره إجراءً لبناء الثقة وكسر الجمود الذي أعقب الجولة السابعة.

وبحسب هذه المعطيات، يجري العمل على عقد الجولة الثامنة في روما بعد مؤتمر دعم الجيش اللبناني في باريس منتصف الشهر الحالي، في محاولة لإبقاء المسار التفاوضي والمؤسساتي اللبناني ضمن دائرة الحركة، وعدم ترك لبنان رهينة كاملة لتطورات المواجهة الإقليمية.

في المقابل، لم يحصر الموفدون الذين زاروا لبنان أخيرًا نقاشاتهم في الحرب والمفاوضات، بل ركّزوا على ما أطلقوا عليه «استراتيجية مساعدة الناس». ويقصد بذلك استعادة الحكومة حضورها الفعلي على الأرض عبر وزاراتها ومؤسساتها، ولا سيما في الجنوب والمناطق التي عاد إليها النازحون، حيث تتراكم الحاجات الأساسية.

وتتمثل رسالتهم في ضرورة الفصل بين الملفات الخدماتية والحياتية الداخلية وبين الحرب ومسار التفاوض، إذ لا يمكن إبقاء البنى التحتية والخدمات الأساسية معلّقة بانتظار ما ستؤول إليه المواجهة في المنطقة. فالدولة مطالبة بالعمل الآن، لا بعد انتهاء الحرب أو اكتمال التسوية السياسية.

وأبدى الموفدون استعداد بلادهم لتقديم المساعدة ماليًا وعينيًا، لكنهم شددوا على ضرورة وضع خطة عملية قابلة للتنفيذ تحدد الأولويات وآليات العمل والجهات المسؤولة. ويسجل هؤلاء بطئًا غير مبرر في الانتقال من المواقف والوعود إلى الحضور الحكومي العملي على الأرض، بما يوسّع الفجوة بين الدولة والمواطن ويترك فراغًا قابلًا لأن تملأه جهات أخرى.

ويبرز ملف الكهرباء بوصفه الاختبار الأكثر وضوحًا، في ظل استعدادات عربية للمساعدة على حسمه، ووجود خطة واضحة لدى وزير الطاقة والمياه جو صدي تحتاج إلى التمويل لتنفيذها. وتطرح هذه المعطيات أسئلة عن أسباب استمرار التعطيل، مع بروز علامات استفهام حول وجود «قطبة مخفية» قد تتقاطع فيها حسابات داخلية مع اعتبارات خارجية لإبقاء الملف في دائرة المراوحة، فيما يدفع المواطن اللبناني وحده ثمن الانهيار.

ولم تعد الخدمات الأساسية قضية يمكن إرجاؤها، بل أصبحت جزءًا من معادلة الاستقرار. فكلما تراجعت قدرة الدولة على تأمين مقومات الحياة، ازداد احتمال لجوء الناس إلى أي جهة قادرة على مساعدتهم، حتى لو كانت الجهة نفسها السبب المباشر في الخراب الذي أصاب حياتهم. وهذا ما يحذّر منه الموفدون بقولهم: «أن يصل الناس في مرحلة ما إلى اعتبار من تسبب في خرابهم وضياع مقومات حياتهم ملاذهم الوحيد».

وتقع المسؤولية أولًا على الحكومة اللبنانية التي لا تستطيع تعليق كل شيء على نتائج الحرب والتفاوض، كما تقع في الوقت نفسه على عاتق العرب والمجتمع الدولي، إذ ينبغي أن يتحول الاستعداد للمساعدة إلى مشاريع قابلة للتنفيذ، لا أن يبقى في إطار البيانات.

وبين روما وباريس والجنوب، تبرز معادلة مفادها أن إنجاح التفاوض يحتاج إلى الثقة، وحماية الاستقرار تحتاج إلى دولة حاضرة، ومساعدة الناس تحتاج إلى قرار سياسي يتجاوز الانتظار. فالمعركة لا تقتصر على طاولة التفاوض، بل تشمل أيضًا منع الفراغ من التحول إلى واقع دائم واستعادة الدولة علاقتها المباشرة بالمواطن، قبل أن يصبح اليأس والحاجة مدخلًا لإعادة إنتاج النفوذ السياسي والاجتماعي لمن كانوا سببًا في أزمات لبنان.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى