تحرك سعودي في واشنطن للجم التصعيد الإسرائيلي في جنوب لبنان

تحرك سعودي في واشنطن للجم التصعيد الإسرائيلي في جنوب لبنان
تحرك سعودي في واشنطن للجم التصعيد الإسرائيلي في جنوب لبنان

كتب زياد عيتاني في «اللواء»: تتجه الأنظار إلى مدينة النبطية ومحيطها باعتبارها النقطة الأشد سخونة في المشهدين الجنوبي والإقليمي، في ظل تصاعد القصف الميداني واتساع نطاق الاستهدافات الإسرائيلية، بالتزامن مع تعثر قنوات التفاوض برعاية أميركية ودولية. وتشكّل عاصمة القضاء الجنوبي نموذجاً لتداخل التطورات الميدانية بالحسابات السياسية والدبلوماسية المعقدة.

وتظهر الخريطة الميدانية التي رسمتها العمليات العسكرية تمدداً تدريجياً نحو العمق اللبناني، بلغ مشارف النبطية. وبين ضغط إسرائيلي متواصل يترقب نتائج جولات التفاوض المرتقبة في «روما»، ودور متنامٍ للجيش اللبناني على الأرض، يبرز تساؤل حول ما إذا كانت إسرائيل تتجه إلى فرض «سيطرة نارية» طويلة الأمد على المدينة، أم أن ما يجري يندرج في إطار استعراض القوة النارية لتحسين شروط التفاوض.

واقع ميداني يتجاوز الاستهداف الموضعي

تشير القراءة الميدانية إلى أن التصعيد العسكري الإسرائيلي تجاه النبطية وجوارها، من كفرتبنيت وعربصاليم إلى النبطية الفوقا وزوطر وكفررمان، يتجاوز حدود الاستهداف الموضعي. فبحسب القراءات التحليلية الإسرائيلية والإقليمية، يسعى الجيش الإسرائيلي، عبر تكثيف القصف المدفعي والغارات الجوية التي طالت مرافق صحية ومباني سكنية، وتثبيت نفوذه في النقاط والمرتفعات الاستراتيجية، ومنها مرتفع «علي الطاهر» وتلال «إقليم التفاح والريحان»، إلى فرض ما يُعرف بـ«السيطرة النارية الشاملة».

ويهدف هذا التكتيك، وفق تلك القراءات، إلى إبعاد عناصر ومقدرات «حزب الله» عن خطوط التماس، تحت ادعاءات مرتبطة بـ«الخروقات والتحركات العسكرية»، وتحويل النبطية من عمق لوجستي وسكاني حاسم إلى شوارع ومناطق مكشوفة أمنياً وعسكرياً. وفي المقابل، تؤدي هذه الاستراتيجية، القائمة على التدمير المنهجي للأسواق والأحياء التراثية والسكنية، إلى أعباء إنسانية كبيرة على أهالي المنطقة، بعدما أدى اتساع القصف إلى تهجير آلاف السكان وزيادة الضغوط الاقتصادية والاجتماعية على المحافظة.

ويترافق الضغط العسكري مع مسعى إسرائيلي لإعادة رسم الخارطة الديموغرافية والعمرانية للمدينة، عبر تعطيل شريان الحياة الاقتصادي في سوق النبطية التاريخي والمؤسسات الخدمية ومرافق الرعاية الصحية. ويضع ذلك المنطقة أمام أزمة نزوح متفاقمة تتجاوز البعد العسكري المباشر لتطال النسيج الاجتماعي والجنوبي في مراكزه الثقافية والاجتماعية.

انتشار الجيش اللبناني ورسالة الدولة

في ظل هذا الوضع، برز تحرك الجيش اللبناني من خلال تعزيز انتشار وحداته وتسيير دوريات ميدانية في شوارع مدينة النبطية وأحيائها. وأكدت قيادة الجيش، عبر مديرية التوجيه، أن الانتشار يتمركز في الشوارع والنقاط التي لا توجد فيها قوات إسرائيلية، بهدف تثبيت الأمن الداخلي، وحماية المدنيين والمؤسسات الأهلية، والحد من مظاهر الفوضى أو التسلل.

وقوبل دخول الجيش بترحيب واحتضان أهلي لافتين، إذ أصدرت فاعليات ثقافية واجتماعية في المدينة بيانات ومناشدات عُرفت باسم «نداء النبطية»، دعت إلى تثبيت نقاط التفتيش ودعم الحضور الرسمي للمؤسسة العسكرية، باعتبارها صمام أمان يحول دون تفكيك البنية الاجتماعية للمدينة ويقيها سيناريو التدمير الشامل الذي حل بالقرى الحدودية.

وبالنسبة إلى الدولة اللبنانية، يشكل هذا الانتشار ورقة عمل سريعة موجهة إلى المجتمع الدولي والمفاوضين الإقليميين، مفادها أن السلطة الرسمية قادرة على إدارة الأمن في مراكز المحافظات الكبرى، وأن تفعيل المؤسسات الشرعية يمثل بديلاً عملياً عن فرض «المناطق العازلة» بالقوة الإسرائيلية.

مفاوضات روما والضغط السعودي في واشنطن

تتوافق القراءات الدبلوماسية الغربية مع التقييمات المحلية في الإشارة إلى انسداد وتذبذب يطاولان مسار التفاوض الجاري عبر الوسطاء الدوليين. ويترقب المشهد الدبلوماسي انعقاد الجولة الثامنة من المفاوضات غير المباشرة في العاصمة الإيطالية «روما»، برعاية أميركية، لبحث تفاصيل «آلية الرقابة والتحقق» ومحاولة وضع خطة أمنية متبادلة تمهّد لاجتماعات الحسم المقررة في واشنطن بنهاية الشهر الجاري.

وبالتوازي مع هذا التعثر، برز تحرك دبلوماسي سعودي باتجاه واشنطن لضبط وتيرة التصعيد الإسرائيلي والحد من اندفاعة تل أبيب نحو توسيع العمليات الميدانية. وتجسد ذلك في الزيارة الأخيرة للمبعوث السعودي الأمير يزيد بن فرحان إلى العاصمة الأميركية، حيث تعكس لقاءاته مع كبار المسؤولين في الإدارة الأميركية سعي الرياض إلى ممارسة ضغط على إسرائيل لمنع القصف المركز على النبطية والعمق الجنوبي، وقطع الطريق على أي مخططات للتوغل البري أو تثبيت منطقة عازلة عبر السيطرة النارية.

وتتقاطع التحركات السعودية في واشنطن مع الطروحات والسيناريوهات المطروحة لتحقيق استقرار دائم على الحدود الجنوبية اللبنانية، والتي ترتكز على محاور أساسية، بينها:

  • التطبيق الكامل للقرار 1701: من خلال الدفع نحو نشر الجيش اللبناني في المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني، وخلوها من أي سلاح أو وجود مسلح غير شرعي، مع سعي الرياض إلى توفير غطاء إقليمي ودولي يحول دون استبدال ذلك بترتيبات أمنية إسرائيلية أحادية.
  • حلحلة عقدة الميكانيزم وإخلاء المناطق: عبر التدخل لدى واشنطن لتليين الشروط الإسرائيلية المتعلقة بجدول الانسحاب والجهات المشرفة على آلية الرقابة، وإعادة تفعيل الآليات الثلاثية في الناقورة بمشاركة دولية لضمان عدم حدوث خروقات.
  • استراتيجية الدفاع الوطني: دعم جهود الدولة اللبنانية لبناء «استراتيجية دفاعية وطنية» تطرح ملف السلاح ضمن حوار وطني، بما يمكّن المؤسسات العسكرية والأمنية الرسمية من احتكار قرار الحرب والسلم وحماية الحدود.

ويعكس هذا التداخل بين الضغط السعودي في واشنطن وحراك روما رهان الرياض على أن لجم التصعيد الإسرائيلي لا يتحقق إلا بتفكيك الذرائع العسكرية الإسرائيلية، وإحلال قوة أمنية رسمية مدعومة دولياً تحول دون فرض واقع أمني جديد على النبطية والجنوب.

ثلاثة مسارات محتملة

وبناءً على المعطيات الميدانية والتحركات الدبلوماسية المرتقبة، يتشكل مستقبل الأزمة في النبطية عبر ثلاثة مسارات:

  • استمرار «حروب التآكل والمراوغة»: وهو السيناريو الأرجح على المدى القريب، ويقوم على مواصلة إسرائيل الضربات النارية والقصف المكثف، بالتزامن مع ردود تكتيكية متفرقة، من دون الإقدام على اقتحام بري واسع لمركز النبطية. ويهدف هذا التكتيك إلى إبقاء أوراق الضغط التفاوضية مرتفعة قبل محطة روما واجتماعات واشنطن، مع تجنب الكلفة العسكرية لمواجهة مباشرة داخل أحياء المدينة.
  • اتفاق ميكانيزم مرحلي مطوّر: ويتحقق في حال نجحت الضغوط الدولية والسعودية في التوصل إلى تفاهم مرحلي خلال اجتماعات روما، يقضي بوقف إطلاق النار وتفعيل آليات القرار 1701 وترسيم النقاط الخلافية، مع اعتماد جدول زمني لانتشار الجيش اللبناني وقوات «اليونيفيل» في القضاء، وتقديم ضمانات دولية لمنع استهداف النبطية وتهيئة ظروف العودة التدريجية للنازحين.
  • اتساع المواجهة والتوغل الميداني: وهو السيناريو الأكثر خطورة، ويرتبط باحتمال انهيار قنوات التواصل السياسي وفشل جولات روما والضغوط الدبلوماسية في واشنطن، بما قد يدفع الجيش الإسرائيلي إلى تنفيذ توغل بري مباشر عبر التلال الحاكمة أو فرض حصار عملياتي شامل على المدينة لفرض واقع جديد بالقوة، الأمر الذي سيقابل بمواجهة ضارية تحول المنطقة إلى ساحة استنزاف مفتوحة.

وتقف النبطية، وفق التقرير، على خط تماس حرج يختصر أزمة الجنوب اللبناني، فيما تحاول تل أبيب إعادة رسم خارطة السيطرة والتأثير بالنار، ويسعى لبنان رسمياً وشعبياً، بدعم من تحرك عربي وسعودي في واشنطن، إلى الاحتماء بشرعية الجيش والدولة وتفعيل المسار الدبلوماسي. ويبقى المسار مرتبطاً بما ستسفر عنه الاتصالات السعودية ـ الأميركية وجولات روما المقبلة، ومدى القدرة على لجم التصعيد قبل تحول النبطية من ورقة ضغط تفاوضية إلى نقطة انفجار.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى