كتب خضر نجدي في نداء الوطن أن فهم القضايا المرتبطة بحياة الناس والمجتمعات يقود غالباً إلى مراجعة أفكار علماء الاجتماع والفكر السياسي، الذين حاولوا تفسير كيفية اجتماع البشر وتحول الجماعة إلى مجتمع، ثم إلى مؤسسات وسلطة ونظام قادر على الاستمرار والتطور.
ومن أبرز من تناولوا هذا السؤال ابن خلدون، الذي رأى في «العصبية» قوة أساسية لتماسك الجماعة وتمكينها من بناء السلطة والدولة. ولم تكن العصبية، في معناها الخلدوني، مجرد انتماء عاطفي أو رابطة قبلية، بل قوة اجتماعية تنظم الجماعة وتدفعها إلى الفعل، قبل أن تدخل الدولة مرحلة الاستقرار ثم الترف والتكلّس والانهيار.
ومع تطور الفكر الاجتماعي، انتقل تفسير الاجتماع من القرابة والعصبية إلى المؤسسات وتقسيم العمل والعقد الاجتماعي والشرعية والصراع على الموارد والقوة والثقافة والقيم المشتركة. فالمجتمع الحديث لا يقوم على وجود جماعة متماسكة فحسب، بل على قدرتها على تحويل هذا التماسك إلى مؤسسات وقواعد عامة تتجاوز الأشخاص والأفراد.
ورغم التغير الهائل الذي شهده العالم، استمرت بعض آليات السلطة في لبنان من دون أن تتغير بالسرعة نفسها. فقد تغير الاقتصاد ووسائل الاتصال وعلاقة الإنسان بالمعرفة، وسقطت حدود كثيرة بفعل التكنولوجيا، فيما بات الذكاء الاصطناعي يفرض أنماطاً جديدة في العمل والإدارة والتفكير. أما بعض القيادات السياسية والاجتماعية فما زالت تتعامل مع المجتمع كما لو أنه المجتمع نفسه الذي عرفته عند وصولها إلى السلطة.
وكأن الزمن مرّ على الناس ولم يمرّ على السلطة. ولا تكمن المشكلة في وجود الجماعات، إذ يحتاج كل مجتمع إلى روابط وقيم ومصالح مشتركة، كما يحتاج الإنسان إلى الانتماء، بل تبدأ عندما تتحول الجماعة من وسيلة لتنظيم المجتمع إلى وسيلة لامتلاكه. عندها يظهر تركيب اجتماعي يمكن وصفه بـ«الطفيلي»، أي ذلك الذي يعيش على حاجات الجماعة ومخاوفها وانقساماتها، ويستمد بقاءه من استمرار الظروف التي يفترض أن يعمل على تغييرها.
ومن صفات هذا التركيب عقدة استلام القيادة، بحيث يتحول الوصول إلى الموقع القيادي من مسؤولية موقتة إلى حق دائم، إلى جانب ادعاء امتلاك الحقيقة، بما يجعل الاختلاف مع القيادة خيانة للجماعة لا مجرد اختلاف في الرأي. ويضاف إلى ذلك إيهام العامة بالخلاص، إذ يقدم الزعيم نفسه بوصفه الحامي والضامن والوسيط الوحيد القادر على حماية الجماعة وإنقاذها، لا بوصفه شخصاً قابلاً للمساءلة.
أما الأخطر، فهو الانتقال من المسؤولية إلى صناعة الوهم وتبريره بوهم أكبر. فعندما تفشل السياسات لا تتم مراجعتها، بل يعاد تفسير الفشل بطريقة تسمح باستمرار صاحب القرار في موقعه. وهكذا تتحول السياسة إلى دائرة مغلقة: قرار يؤدي إلى أزمة، ثم تستخدم الأزمة لتبرير قرار جديد، قبل أن يقدم صاحب القرار نفسه باعتباره القادر على معالجة أزمة ساهم هو أو فريقه في إنتاجها.
ومن أكثر مظاهر هذا التركيب غرابة أن القوى التي تبدو متناقضة في خطابها أمام الجمهور قد تكون شديدة الانسجام عندما يتعلق الأمر بمصالح استمرارها السياسي. وهذا ليس جديداً في لبنان؛ إذ تكفي الإشارة إلى العلاقة بين التيار الوطني الحر وحركة أمل بوصفها نموذجاً على التناقض السياسي المعلن والتوافق العملي في مسائل أساسية.
فقد شهد الجمهور اللبناني سنوات طويلة من الانتقادات المتبادلة بين الطرفين، بما يوحي بوجود خلافات عميقة، لكن هذه الخلافات لا تمنع التوافق عندما تصبح مصالح الطرفين أو قواعد اللعبة السياسية نفسها أمام اختبار جدي. وقد تحتاج الفئة إلى خصمها لتبرير وجودها أمام جمهورها، كما تحتاج في الوقت نفسه إلى التفاهم معه عندما تصبح قواعد النظام أو مواقع النفوذ مهددة.
وهكذا يصبح التعارض نفسه منصة لتسويق السياسة: ننتقد بعضنا بالمفرق، ونتفق عندما يتعلق الأمر بما يبقينا معاً في النظام. وبذلك لا تعود المشكلة مرتبطة بأشخاص فقط، بل ببنية اجتماعية وسياسية تسمح بإنتاج الأشخاص أنفسهم بصورة متكررة.
ويستمر هؤلاء في مواقع السلطة لفترات طويلة، سواء داخل المؤسسات الرسمية أو المؤسسات الاجتماعية والسياسية، فيتحرك الزمن خارج المؤسسة ويتوقف داخلها. ويتحول التراكم الطويل للخبرة من قيمة إيجابية إلى وسيلة لإعادة إنتاج السيطرة؛ إذ يصبح صاحب السلطة أكثر تمرساً في تطويع الجماعة وإدارة المخاوف واستخدام الرموز وتوزيع الأدوار والمنافع، وإبقاء الناس داخل الإطار الذي يضمن استمرار تمثيله لهم.
وهذا هو نقيض البناء الاجتماعي الحديث، القائم على القواعد والتداول والتخصص والمساءلة وتراكم الخبرة داخل المؤسسة لا داخل الفرد.
وتزداد المفارقة قسوة عند الوصول إلى الحالة اللبنانية الراهنة، حيث دفع لبنان ثمناً هائلاً نتيجة الحروب والخيارات السياسية والاقتصادية الخاطئة، وانهيار مؤسسات الدولة وتراجع الاقتصاد وتدمير قطاعات واسعة من الحياة العامة، وصولاً إلى الحرب والدمار والنزوح والخسائر التي يعيشها اللبنانيون.
والأكثر غرابة أن بعض القوى والشخصيات التي شاركت، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في صناعة النظام الذي أفضى إلى هذه النتائج، تعود لتقدم نفسها باعتبارها الجهة القادرة على إنقاذ البلد. وبدلاً من أن تكون الأولوية للمحاسبة، تصبح لإعادة توزيع الأدوار نفسها. كما يستخدم الانهيار لتثبيت القوى ذاتها بحجة أنها الأقدر على إدارة المرحلة، بدلاً من أن يفتح الباب أمام تغيير قواعد العمل السياسي.
وهنا تظهر أخطر حلقات «التركيب الاجتماعي الطفيلي»: أن ينتج الشخص أو المجموعة جزءاً من المشكلة، ثم يطالب بأن يكون جزءاً أساسياً من الحل، وأن يمنع في الوقت نفسه ظهور بديل قادر على مراجعة ما حدث. إنها معادلة لا تنتج دولة، بل استمراراً للعقل المتكلّس غير القادر على الحركة إلى الأمام.
ولا يشكل ذلك اتهاماً مسبقاً لكل من شارك في الحياة السياسية، ولا دعوة إلى إلغاء أي جماعة أو تيار، بل هو سؤال يتعلق بالمسؤولية العامة. ففي الدول الحديثة، لا تكفي النوايا المعلنة؛ هناك نتائج ومسؤولية ومراجعة وتداول للسلطة.
ومن الطبيعي أن يسأل المواطن: إذا كانت السياسات والقرارات التي اتخذتها القوى الحاكمة طوال سنوات قد ساهمت في الوصول إلى الانهيار، فلماذا تصبح القوى نفسها صاحبة الدور الأول في تحديد مستقبل الخروج منه؟ ولماذا لا تكون هناك مرحلة مراجعة حقيقية، ما دامت نتائج تلك المرحلة المدمرة قد تكررت مرات ومرات؟
إن أخطر ما يمكن أن يحدث للمجتمع هو أن يتحول الفشل إلى شهادة خبرة جديدة لصاحبه. فكل أزمة تصبح فرصة للعودة إلى السلطة، وكل كارثة مناسبة لاستعادة خطاب الحماية، وكل انهيار دليلاً إضافياً على ضرورة بقاء «الزعيم» نفسه. وهذه ليست دولة، بل إعادة إنتاج للعصبية في صورتها الأكثر خطورة، بعدما تحولت من قوة لتأسيس الجماعة إلى أداة لمنعها من التطور.
وقد يكون الخروج من هذه الحلقة أقل تعقيداً مما يبدو، لكنه يحتاج إلى تغيير عميق في طريقة النظر إلى السياسة والمجتمع. ولا يبدأ ذلك بإلغاء الجماعات، بل بإعادة الإنسان إلى مركزها؛ الإنسان الذي يمتلك حقوقاً، وعليه مسؤوليات، ويستطيع أن يختار ويغير ويحاسب ويرفض، وأن يقر مع ذاته بأن الدولة فوق الجميع، لا وسيطاً بين الزعيم والمواطن.
كما يفترض أن يصبح المسؤول معنياً بنتائج أفعاله، لا بقدرته على تفسيرها فقط. وقد حان الوقت للخروج من مجتمع ينتج السلطة ثم يخاف من تغييرها، ومن سلطة تمنع التغيير ثم تستخدم غيابه دليلاً على ضرورتها. ومن هنا تبدأ عملية الخروج من الاجتماع الطفيلي، عبر اعتبار الجماعة أكبر من زعيمها، والمؤسسة أقوى من مديرها، والدولة أقوى من جميع القوى العاملة داخلها.
وربما تكون هذه اللحظة مناسبة ليفهم اللبنانيون أن إنقاذهم لا يكون بإعادة إنتاج الذين صنعوا أزماتهم، بل بكسر الحلقة التي تجعل صانع الأزمة صاحب الوصفة نفسها لإنقاذها. فإذا لم يتحول هذا الخراب إلى فرصة لتغيير قواعد الاجتماع السياسي، فسيجد اللبنانيون أنفسهم بعد سنوات أمام الكارثة نفسها، بأسماء مختلفة أو بالأسماء نفسها، وبالنتائج نفسها.
ولم يعد الأمر مجرد خلل سياسي، بل بات تركيباً اجتماعياً هجيناً يعيد إنتاج نفسه ويمنع المجتمع من بلوغ المرحلة التي يصبح فيها قادراً على التخلص من طفيلياته السياسية والاجتماعية المرتكزة إلى عصبيات طائفية وعائلية، والتي تسهم في استمرار الحروب والانهيارات.