كتب نخلة عضيمي في «نداء الوطن» أن العمليات الإسرائيلية الأخيرة في منطقة علي الطاهر لم تعد تبدو حدثًا ميدانيًا معزولًا أو عملية محدودة مرتبطة بموقع واحد، بل باتت تثير تساؤلات حول طبيعة المرحلة المقبلة وحدود الأهداف التي يسعى الجيش الإسرائيلي إلى بلوغها، ولا سيما المنشآت والبنى التحتية الواقعة تحت الأرض في مناطق مختلفة من الجنوب.
وفي أبرز المعطيات الميدانية، نفّذ الجيش الإسرائيلي عملية تفجير واسعة في الجزء الممتد بين كفرتبنيت وعلي الطاهر من جهة الخردلي، استهدفت أجزاء من الأنفاق والمنشآت والبنى التحتية الواقعة تحت الأرض في هذا المحور.
لكن هذه العملية، وفق المعطيات الميدانية المتوافرة لـ«نداء الوطن»، لم تشمل كامل الامتداد الموجود تحت أرض المنطقة. فالمنشآت الواقعة في الاتجاه الآخر، من علي الطاهر باتجاه النبطية الفوقا ودوحة كفررمان، ولا سيما الأجزاء الممتدة في المرتفعات والمواقع المحيطة بهذا المحور، لم تتعرض حتى الآن لتفجير مماثل.
ويُعد هذا التفصيل أساسيًا في قراءة ما جرى، إذ إن الجزء المستهدف لا يتجاوز نطاقًا جغرافيًا أوسع، ما يعني أن عملية علي الطاهر لا يمكن اعتبارها إقفالًا كاملًا للملف من الناحية العسكرية، وقد تكون مرحلة أولى من عملية أوسع تستهدف تباعًا بقية المنشآت التي تعتبرها إسرائيل جزءًا من البنية التحتية العسكرية في المنطقة.
ماذا بعد علي الطاهر؟
مع تعرض المنطقة الواقعة بين كفرتبنيت وعلي الطاهر من جهة الخردلي للتفجير، فإن بقاء أجزاء أخرى من المنشآت باتجاه النبطية ودوحة كفررمان خارج دائرة التدمير حتى الآن يجعلها، من المنظور الإسرائيلي، أهدافًا محتملة لأي مرحلة تالية، سواء عبر توغلات برية محدودة أو عمليات خاطفة للوصول إلى نقاط معينة وتفخيخها وتدميرها.
وفي القطاع الشرقي، تبدو الصورة أكثر حساسية، إذ تشير التحركات الإسرائيلية في عدد من المحاور إلى أن النشاط العسكري قد لا يقتصر على تثبيت مواقع أو تنفيذ عمليات تمشيط محدودة، بل قد يكون جزءًا من مسعى للوصول إلى مناطق إضافية يُعتقد أنها تضم منشآت وبنى تحت الأرض.
وتشير المعلومات المتداولة في هذا السياق إلى احتمال انتقال الضغط، في مرحلة لاحقة، باتجاه وادي زبقين بعد المنصوري، في حال استمرار الظروف السياسية والعسكرية التي تتيح لإسرائيل توسيع عملياتها. ويُخشى أن يكون الهدف تنفيذ عمليات مماثلة لما جرى في علي الطاهر، عبر الوصول إلى منشآت محددة وتفخيخها وتدميرها ثم الانسحاب، من دون الدخول في عملية احتلال بري واسعة أو طويلة الأمد. وهنا تكمن خطورة نموذج علي الطاهر.
هل تتكرس حرية العمل البري الإسرائيلي؟
قد تكون العملية مؤشرًا إلى نمط جديد من العمل العسكري الإسرائيلي في الجنوب، يقوم على توغلات موضعية وسريعة للوصول إلى أهداف تحت الأرض وتدميرها، بدل الاعتماد الحصري على القصف الجوي أو المدفعي. وإذا نجح هذا النموذج من دون أن تواجه إسرائيل قيودًا سياسية أو ميدانية جدية، فقد يتحول من عملية استثنائية إلى قاعدة عملياتية متكررة.
وفي هذه الحالة، لن يبقى النقاش محصورًا بعلي الطاهر أو وادي زقين، إذ يمكن، على المدى الأبعد، أن تصبح مناطق أخرى في العمق الجنوبي، ولا سيما جبل الريحان وبعض المرتفعات والأحراج والمناطق الواقعة في البقاع الغربي، عرضة لعمليات خاطفة أو إنزالات محدودة تستهدف مواقع بعينها للتخلص من منشآت أو بنى تحت الأرض فيها.
وبذلك، يصبح السؤال بعد علي الطاهر أبعد من اسم المنطقة نفسها: هل كانت العملية محدودة وانتهت بتحقيق هدف ميداني معين، أم أنها تمثل محاولة إسرائيلية لتكريس نمط جديد يتيح لها الدخول إلى الأراضي اللبنانية عندما ترى أن لديها هدفًا عسكريًا، وتنفيذ عمليات تفخيخ وتدمير ثم الانسحاب؟
والفارق بين الاحتمالين بالغ الخطورة، لأن المشكلة في الحالة الثانية لن تكون في حجم كل عملية منفردة، بل في تكريس حق ميداني بالأمر الواقع لإسرائيل في تنفيذ عمليات برية داخل الأراضي اللبنانية كلما قررت وجود هدف تريد الوصول إليه.
ومن هنا، فإن ما بعد علي الطاهر لن تحدده الحسابات العسكرية وحدها، بل أيضًا المسار السياسي والدبلوماسي للمرحلة المقبلة، ومدى قدرة الدولة اللبنانية والضغوط الدولية والترتيبات القائمة على منع تحول العمليات الاستثنائية إلى نمط دائم من التوغلات الإسرائيلية.
وعليه، فإن سؤال «ماذا بعد علي الطاهر؟» لا يتعلق فقط باسم الموقع الإسرائيلي التالي، بل بحدود ما سيسمح لإسرائيل بفعله داخل الجنوب اللبناني، وبإمكان وقف هذا المسار قبل تحوله إلى واقع أمني وعسكري جديد، ولا سيما أن أي موعد جديد للمفاوضات اللبنانية الإسرائيلية لم يُحسم بعد.