كتب طارق أبو زينب في «نداء الوطن» أن «نداء النبطية الثاني» لم يعد مبادرة محلية، بل تحوّل إلى رسالة سياسية وأمنية ترتبط بمصير الجنوب ودور الدولة فيه. وانضم أكثر من ألف توقيع من عائلات ونخب وناشطين إلى النداء المطالب بانتشار الجيش اللبناني، في الأيام التي سبقت تفجير منشأة علي الطاهر، تعبيراً عن رغبة شريحة واسعة من أبناء النبطية والجنوب في تعزيز حضور الدولة ومؤسساتها الشرعية وحماية ما تبقى من المدن والقرى.
وتزامن إطلاق المبادرة مع بيان إمام مدينة النبطية الشيخ عبد الحسين صادق، الذي دعا المنظمات الحقوقية والإنسانية ووسائل الإعلام المحلية والدولية إلى زيارة المدينة والاطلاع على واقعها برفقة الجيش اللبناني، انطلاقاً من الثقة بدوره الوطني. ووفق مضمون المبادرة، فإن انتشار الجيش على الأرض من شأنه سحب أي ذريعة يستخدمها الجيش الإسرائيلي للتحقق من خلو النبطية من أنفاق أو بنية عسكرية.
وبذلك، تتجاوز دلالة النداء المطالبة بانتشار الجيش لتلامس النقاش حول وظيفة الدولة في الجنوب. فالموقعون يطالبون بإعادة تثبيت سلطتها وتحميلها مسؤولية حماية المواطنين، وحصر قرار السلم والحرب بمؤسساتها الشرعية. كما يعكس النداء، بحسب المادة، حاجة متزايدة إلى مرجعية واحدة تتولى مسؤولية الأمن والقرار، بدلاً من تعدد المرجعيات الذي يبقي السكان في مواجهة مباشرة مع نتائج الصراع.
وتحمل النبطية في هذه المعادلة رمزية تتجاوز حجمها، فهي تمثل في الوجدان الجنوبي جبل عامل ومدينة العلماء والعمق السياسي والاجتماعي للجنوب. لذلك، لا يُقرأ أي تهديد يطالها كحادث أمني محلي فحسب، بل كمساس بمدينة ذات مكانة تاريخية ورمزية عميقة. ويأتي النداء، وفق المصدر، كصرخة استباقية للحؤول دون تكرار مصير بلدات وقرى فُجّرت وجُرفت وسُويت بالأرض، والحفاظ على ما تبقى من ممتلكات المدنيين وأرواحهم.
غير أن المطلب الذي انطلق من هواجس أمنية دخل سريعاً في مواجهة سياسية في الجنوب. وبحسب المعطيات الواردة في «نداء الوطن»، اتخذ موقف مقربين من «حزب الله» من الموقعين طابع التخوين، مع اتهامات بالعمالة والتحريض، وصولاً إلى التوعد بهم إذا لم يسحبوا توقيعاتهم. ووفق المعلومات المتداولة، بلغ التحريض حد تهديد بعض الموقعين، ممن يسكنون بين النبطية وبيروت، بمنعهم من العودة إلى منازلهم في النبطية. وبذلك، تجاوز النقاش مطلب حضور الجيش إلى سؤال يتعلق بحق أبناء المنطقة في التعبير عن رؤيتهم لحماية مدينتهم ومستقبلها.
وتضع مصادر مطلعة لـ«نداء الوطن» هذه التطورات في سياقها السياسي الأوسع، مؤكدة أن الموقّعين على النداء يتحدثون بلسان حال الجنوبيين عموماً، وأن بسط سلطة الدولة وانتشار الجيش اللبناني في الجنوب يشكلان الوسيلة الوحيدة للدفاع عن المناطق وردع العدوان الإسرائيلي. وتقول المصادر إن النداء يهدف إلى زيادة الضغط على الدولة للقيام بواجباتها فعلياً، وعدم الاكتفاء بتحمل المسؤولية كلامياً، بل ترجمتها على الأرض عبر حضور الدولة ومؤسساتها الشرعية.
ومع تفجير الجيش الإسرائيلي منشأة تلة علي الطاهر لاحقاً، اكتسبت هذه المخاوف، بحسب المصادر، بعداً أكثر إلحاحاً. وتحمل المصادر «حزب الله» مسؤولية ما يحصل، معتبرة أنه كان يفترض به تفادي الخسائر وتسليم المنشأة ومستودعات الأسلحة في التلة إلى الجيش اللبناني، بما يساهم في تقليص الفرص والذرائع التي تستخدمها إسرائيل لمواصلة عدوانها. وتضيف المصادر أن «الحزب» لا يبذل جهداً كافياً للجم التصعيد.
وفي المحصلة، يضع «نداء النبطية الثاني»، بأكثر من ألف توقيع، الدولة أمام اختبار دورها في الجنوب: استعادة قرارها وحضورها، أم استمرار توزع القرار فيما يدفع المدنيون الثمن. ووفق المادة، لا تطلب النبطية امتيازاً، بل حماية مدينة تختزن رمزية جبل عامل والعلماء والعمق الجنوبي، وحماية سكان يخشون تكرار تجربة البلدات التي سُويت بالأرض. لذلك، يصبح انتشار الجيش عنواناً لاستعادة الدولة دورها الطبيعي، لا مجرد إجراء أمني، فيما تتمثل الرسالة السياسية في منع تحويل النبطية إلى ساحة جديدة، وصون ما تبقى من الممتلكات والأرواح، وإعادة القرار الأمني والعسكري إلى مؤسسات الدولة.