الممارسة الكازاخستانية للحوار بين الأديان كنموذج للسلام العالمي

تُعدّ المبادرة الدولية لكازاخستان في تعزيز الحوار بين الأديان – مؤتمر قادة الأديان العالمية والتقليدية – إحدى أبرز منصات الدبلوماسية الروحية في العالم، حيث تطوّرت على مدى أكثر من عشرين عاماً لتصبح فضاءً مؤثراً للتفاعل الحضاري. ومنذ عام 2003 يُعقد المؤتمر في عاصمة البلاد أستانا، جامعاً ممثلين عن مختلف الأديان، والمنظمات الدولية، والأوساط الأكاديمية، والشخصيات العامة. ويُقام المؤتمر في قصر السلام والمصالحة، الذي يُجسّد برمزيته المعمارية فكرة الانسجام بين الثقافات والطوائف.

وقد أُنشئ المؤتمر استجابةً لتحديات القرن الحادي والعشرين، وفي مقدمتها تصاعد التطرف الديني، وتصاعد النزاعات الثقافية، وأزمة الثقة بين الحضارات. ويتمثل هدفه الأساسي في إيجاد فضاء مستدام للحوار بين الأديان، يرتكز لا على الخلافات اللاهوتية، بل على القيم الإنسانية المشتركة مثل السلام، والتضامن، والإنسانية، والمسؤولية تجاه المستقبل. ويُعقد المؤتمر بصفة دورية كل عدة سنوات، ويتضمن جلسات عامة، وحلقات نقاش متخصصة، واجتماعات خبراء، ولقاءات للشباب من القادة الدينيين، مما جعله آلية تعاون مستمرة لا مجرد فعالية عابرة.

يشارك في المؤتمر قادة روحيون من الإسلام، والمسيحية، واليهودية، والبوذية، والهندوسية، والطاوية، وغيرها من الديانات. ويحضر مندوبون من عشرات الدول، ممثلين للمؤسسات الدينية والمنظمات الدولية، بما في ذلك تحالف الحضارات التابع للأمم المتحدة. وبفضل هذا التمثيل الواسع، أصبح المؤتمر منصة تُسهم في تحويل الدين من عامل انقسام إلى أداة دبلوماسية ووسيلة للوقاية من النزاعات.

وتتجلى الأهمية الخاصة للمؤتمر في نتائجه العملية؛ إذ تُختتم كل دورة بإصدار وثائق وإعلانات مشتركة تُكرّس مبادئ التعايش السلمي، وتدين العنف، وتدعو إلى التعاون. وقد أكّد الرئيس قاسم جومارت توكاييف أن المؤتمر أصبح أحد الأطر العالمية المهمة للحوار بين الحضارات، مشيراً إلى أن الدبلوماسية الروحية يمكن أن تُكمّل الآليات السياسية التقليدية وتُسهم في تسوية النزاعات سلمياً. ويعكس ذلك المفهوم الاستراتيجي لكازاخستان في توظيف تجربتها كمجتمع متعدد الأعراق والأديان كنموذج للتعاون الدولي.

وتتجسد القيمة العملية للمبادرة الكازاخستانية في عدة أبعاد. أولاً، إنشاء قنوات اتصال مستقرة بين القادة الدينيين تمكّنهم من التدخل السريع في أوقات الأزمات لخفض التوترات. ثانياً، تبادل أفضل الممارسات في مجال مكافحة التطرف، وحماية المواقع الدينية، وتعزيز الاستقرار الاجتماعي. ثالثاً، إشراك الشباب والخبراء في أعمال المؤتمر بما يُسهم في إعداد جيل جديد ملتزم بالحوار بين الثقافات.

وقد أسفرت المؤتمرات السابقة عن تنظيم فعاليات دولية مشتركة في مراكز دينية مختلفة حول العالم، مما يؤكد فاعلية المنتدى كمحفّز لمبادرات عملية. كما تتضمن الاستعدادات للدورات المقبلة مناقشة مشاريع ملموسة، بدءاً من البرامج الإنسانية وصولاً إلى المنصات التعليمية، بهدف ترسيخ ثقافة الاحترام المتبادل.

وتبرز أهمية النموذج الكازاخستاني في ظل المرحلة الراهنة من عدم الاستقرار العالمي، حيث يشهد النظام الدولي تحولات عميقة، وتتزايد التوترات الجيوسياسية، وتكتسب النزاعات المحلية في كثير من الأحيان أبعاداً دينية. وفي هذا السياق، يكتسب نموذج دولة حافظت على الانسجام الديني الداخلي ورفعته إلى مستوى دولي أهمية خاصة. وتؤكد كازاخستان أن تحقيق السلام المستدام يتطلب إشراك القيادات الدينية في مسارات الحوار الدبلوماسي والمجتمعي.

وقد يكون هذا النموذج مفيداً للدول ذات التعددية الدينية. إذ تُظهر التجربة الكازاخستانية أن فعالية مثل هذه المنصات تزداد عندما تحظى بدعم الدولة، مع الحفاظ على المساواة بين المشاركين والتركيز على القيم الإنسانية الجامعة بعيداً عن المصالح السياسية الضيقة.

وهكذا، لم يعد مؤتمر قادة الأديان العالمية والتقليدية مجرد مؤتمر دولي، بل أصبح أداة دبلوماسية مستدامة تقدم نموذجاً بديلاً للتفاعل العالمي، يقوم على الحوار والسلطة الأخلاقية والتعاون بدلاً من منطق القوة والتنافس. وفي ظل التحديات العالمية المتزايدة، يُنظر إلى هذا النموذج بوصفه أحد المسارات الممكنة لتعزيز الاستقرار الدولي ومنع النزاعات، مؤكداً أن التنوع الديني، عند التعامل معه بروح بنّاءة، يمكن أن يتحول إلى مورد للسلام.


اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى